ذكر أبو حيان: التضعيف الذي في قفينا ليس للتعدية إذ لو كان للتعدية لكان يتعدى إلى اثنين لأن قفوت يتعدى إلى واحد، أقول: قفوت زيدا أي تبعته فلو جاء على التعدية لكان: وقفينا من بعده الرسل، وكونه لم يجئْ كذلك: يَبْعد أن تكون الباء زائدة في المفعول الأول ويكون المفعول الثاني محذوفا لكنه ضمنه معنى (جئنا) ، وجئنا من بعده بالرسل يقفو بعضهم بعضا (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) .
وذكر أبو حيان: على آثارهم متعلق بـ قفينا وبعيسى متعلق به أيضا.
وهذا على سبيل التضمين أي ثم (جئنا) على آثارهم بعيسى ابن مريم قافيا لهم.
أقول: من معاني فعَّل التكثير، أي بكثرة الرسل يقفو بعضهم إثر بعض.
وتضمين (قفى) معنى (الحق) والمتعدي بالباء: أدق من جئنا بالرسل، وليست التقفية إلا صورة من صور الإلحاق، فالعلاقة بين المضمن والمضمن فيه عموم وخصوص، أما صلة التقفية بالمجيء فتبقى معها في سوء مزاج تبعث على مراجعتها وإعادة النظر فيها.
أو تضمين (قفا) معنى (أردف) والمتعدي بالباء وأردفنا من بعده بالرسل. أو (عقب) وعقبنا من بعده بالرسل: أي والينا من بعده بالرسل وتبقى هذه اللغة الشريفة سمحاء اللفظ، فيها يَختزنُ العديدَ من الدلالات، ويتسعُ لتلبيةِ كثيرٍ من الحاجات فلا يطوي عن إحداها بِشْره هذا وإن إخضاع الحق للهوى الطارئ والنزوة المتقلبة متأصل عند يهود - لعنهم اللَّه - لهم هوى فيه وانعطاف نحوه، فقد آتاهم اللَّه الكتاب وألحقهم من بعد موسى بالرسل تترا، يقفو بعضهم بعضا، سلسلة لا تنقطع وكان آخرهم عيسى ابن مريم أيده بمعجزات باهرات فلما جاءهم بالحق استنكروه وكذبوه فبئست الخلة هذه، كشفت عن لؤمهم وخسة طبعهم وفسولته ودناءته، ثم عن قتلهم الأنبياء صلوات اللَّه عليهم.
فالفضل لهذه الباء بعثتنا على المراجعة لفعل (قفا) وإلطاف النظر فيه.