فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 531

الاتباع: الاقتداء، أو الموالاة. ذهب أبو حيان وتبعه العكبري: إلى تضمين تبع معنى انحرف فعدي بـ (عَنْ) ، وقال أبو البقاء في (عَمَّا جَاءَكَ) في موضع حال أي عادلا عما جاءك ولم يضمن (تبع) معنى ما تعدى بـ عن.

وهذا ليس بجيد لأن (عن) حرف ناقص لا يصلح أن يكون حالا من الجثة، كما لا يصلح أن يكون خبرا، وإذا كان ناقصا فإنه يتعدى بكون مقيد، والكون المقيد لا يجوز حذفه، أو تضمين (تتبع) معنى (تتزحزح وتنحرف) كما ذكر الجمل. وكذلك ضمنه الزمخشري: معنى انحرف: لا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم.

أقول: لقد تضمن النهي عن الاتباع معنى الصرف. لأنه يفي بالمراد وأدنى للسياق، فأمر تعالى نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يصرف أهواءهم ويردها عما جاءه من الحق لئلا يختلط باطلهم بحقه، فقد جعل اللَّه لأهل الحق شرعة ومنهاجا، ولأهل الباطل شرعتهم ومنهاجهم، ولا لقاء بينهما - (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(6) .

عرضت يهود على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن تؤمن له إذا تصالح معها على التسامح في أحكام خاصة كحكم الرجم. وتنزل هذه الآية لتقطع الطريق على كل رغبة في الاتباع أو حتى في التساهل في أمر دينه وشريعته لما يسمونه: وحدة الصف، وتأليف القلوب، والتطويع، ووحدة الأديان ... إن شريعة اللَّه أغلى من أن تلتبس بالأهواء، وأبقى من أن يُضحى بحكم من أحكامها مسايرة لرغبة حاكم، أو رغبة في تأليف قلوب فرقة أو مذهب أو طائفة، أو ميلا إلى التساهل في بعض الأمور التي تبدو ليست من أساسيات الشريعة. فاللَّه قطع الطريق على هؤلاء جميعا حفظا لدينه بالحرف (عن) الذي أفاد معنى الصرف، صرف هؤلاء جميعا عن شرعه الحكيم، وردهم عن منهجه القويم، خشية أن يضل. ولو جاء الأمر بالصرف لانحصر في منظور ضيق لا يخرج عنه، ولضاع معنى النهي عن الاتباع والولاء، وهو منزلق الدعوات والدعاة.

فالتضمين جمع فأوعى في تحصين المعنى وتشريفه، والإبانة عنه وتصويره. ولو لجأنا إلى تقدير حال محذوفة - وهو بخالف أصول النحو - لذهبت الأنَسَة التي فيه والحسن الذي حواه، وتضمين (تبع) وهو متعد معنى (انحرف) كما مر وهو لازم يُضيِّق واسعا بحذف المفعول.

إنه التضمين ... وإنه كنز دفين، من صبر عليه ذاق لذة الاستمتاع به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت