قال أبو السعود: يأتي الفعل لازما أو متعديا: اللازم متضمن معنى انفرد والمتعدي أفرد. فالفعل متعد وصيغة الافتعال للإنباء عن الاصطفاء، والفعل لازم و (مَن) فاعله، والضمير العائد إلى (مَن) محذوف مقدر أي ينفرد برحمته من يشاء. وقال الجمل: يستعمل متعديًا ولازمًا فعلى الأول يخص وعلى الثاني يتميّز.
وذكر أبو حيان: يحتمل أن يكون يختص لازما أي على تضمين ينفرد أو متعديا على تضمين يُفرد.
أقول: السياق يُلوح بتعدي الفعل لما اختص اللَّه به محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمؤمنين من فضله واصطفاهم لعلمه بأنهم أهل هذه الخصوصية وهذا الفضل، وأفردهم برحمة منه ليكونوا على حذر من أضاليل يهود، وما يُخفونه من حقد دفين على المؤمنين حسدا على ما اختاره الله لهم من تحويل القبلة من بيت المقدس - قبلة اليهود ومُصلَّاهم - إلى البيت الحرام.
ولو ضمنا (اختص) معنى (انفرد وفاز) على اللزوم لكان المعنى: ومن شاء من العباد أن ينفرد برحمة ذي الفضل العظيم فليس أعظم من هذه النعمة، نعمة الإسلام.
وفي هذا التوجيه ما يستجيش في حس العبد وقلبه الشعور بعظيم فضل الله، وجزيل إحسانه أن يترك له باب الاختيار مفتوحا ليلجه متى شاء، ومن شاء ممن رضي باللَّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا.
وحين يشي السياق بتعدد فُهومه، فقد دل على عُلو قدره وسَنا مرتبته:
به فنون المعاني قد جُمعن فما ... تفتر من عجب إلا إلى عجب
وتلك اللطائف الخفية في هذه اللغة الشريفة، تملأ الطرف ويعجز عنها الوصف أسْفَرَ عن محاسن وجهها التضمين في الكتاب المبين، فاستروح إليه وتعقل به كلما تاقت نفسك له أو مسّتْك الحاجة إليه.