فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 531

حكى الزمخشري: في اجتماع الهمزة والباء على التعدية نظر لأنهما متعاقبتان وهو الذي اقتضى قوله: فعلوا الإذاعة، ليخرجها عن الباء المُعَاقِبة للهمزة وهو أبلغ من أذاعوه. وقال القرطبي: أفشوه وأظهروه قبل أن يقفوا على حقيقته لكن ما فائدة الباء إن جاءت مزيدة؟! قيل: الباء زائدة نقل ذلك الجمل والعكبري، ولفظ قيل يدل على التضعيف والتمريض. وقال الآلوسي: أذاعوا به: أفشوه والباء مزيدة. وقال النسفي: الباء مزيدة.

وقال الجمل: قيل: ضمن أذاع: تحدث فعداه تعديته.

اقول: يا عجبا من سوء تصورات وكالات الأنباء وضعف مداركهم، فإن البوح بكل خبر يأتيهم والتحدث به، وإشاعته يدل على شخصية همجية، والقرآن يريد أن يعد شخصية المسلم إعدادًا مخالفًا لمألوفه، شخصية حضارية تخضع لقيادة موحدة: تجمع وتحلل وتستنبط و ... فلا بَوْحَ ولا حديث ولا إفشاء إلا بإذن.

نعم حين يصبح أمر الأمن أو الخوف حديث المجالس في القضايا الحربية فسوف يحدث خلخلة في الصف وبلبلة في النفوس الضعيفة، لا بد إذا من الوقوف على جليته وأن يُرَد إلى ذوي الاختصاص في تحليل الأخبار ليقف الذين يستنبطونه منهم على تحليله وتعليله ومعرفة مغزاه.

ونبقى مع الفعل أذل في سوء مزاج من هذه الباء إن لم نفهم الغرض من تعديته بها. أما القول بزيادتها فلا حفل به ولا شأن له، ويتشنّع علينا تَحَفُلُهُ.

ولعل تضمين الفعل يكشف عن غرضه، فتضمين (أذاع) معنى (باح أو تحدث) والمتعدي بالباء ينسجم مع السياق وإن كان يوحشنا بوجهه ولا تروقنا طلعته لما يحمل في حالتي (الأمن أو الخوف) من خطرٍ على صفوف المجاهدين، فكيف بنا مع إذاعة كل نبأ وإشاعته ونشره على الملأ، إنه سيحمل إذًا وِزْر ما أحدث من تصدع في الصف، وخلخلة في المعسكر، بل ما يحدثه من أثر مدمّر في نفوس المجاهدين خاصة والمسلمين عامة.

فالتضمين جمع المعنيين: صرح بأخطرهما - الإذاعة - ليقطع الطريق على كل منافق أو معطّل، أو متشكك ألا يتجرًا على إعلان خبر أو نشره، ووارى في جعبته أقلهما خطرًا وهو البث والبَوْح بأي خبر يلهج به ضعيفٌ أو واهي العزيمة.

بعض من المهاجرين ضعفت نفوسهم عن تكاليف القتال، فلا نستبعد أن نرى فيهم صفة الإذاعة - بأمر من الأمن أو الخوف - لأن هذه تدل على عدم الدربة على النظام ولا تدل على النفاق.

فعلى الناظر في كتاب اللَّه أن يتجشم المشقة في إنعام النظر في هذه الحروف لمعرفة ما استودعه اللَّه في أفعالها المتعدية بها لأنها أدل على لطف المسلك، وأشهد للغرض، وأوفى بشرح العلة من وجه لا يفطن له إلا من أوتي النظر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت