فهرس الكتاب

الصفحة 513 من 531

قال الزمخشري: فإن قلت: لم عُدي فعل الإيمان بالباء إلى اللَّه تعالى وباللام إلى المؤمنين؟ قلت: لأنه قصد التصديق باللَّه الذي هو نقيض الكفر. وقصد الاستماع للمؤمنين، وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقهم لكونهم صادقين عنده فعدي باللام. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) .

وقال أبو حيان: وتعدية يؤمن أولا بالباء وثانيا باللام، قال ابن قتيبة: هما زائدتان. وقال ابن عطية: يؤمن باللَّه يصدق ويؤمن للمؤمنين يصدق واللام زائدة.

وقال البيضاوي: ويؤمن للمؤمنين: يصدقهم لما علم من خلوصهم، واللام مزيدة للتفرقة بين إيمان التصديق فإنه بمعنى التسليم، وإيمان الأمان. ومثله ذكر أبو السعود.

وقال الجمل: وقوله يؤمن للمؤمنين أي يسلم ويرضى لهم، وفي الكرخي أنه عُديَ الإيمان إلى اللَّه بالباء لتضمنه معنى التصديق، ولموافقة ضده وهو الكفر في قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ) وعداه للمؤمنين باللام لتضمنه معنى الانقياد والتسليم، وموافقة لكثير من الآيات (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا) .

و (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) و (أَنُؤْمِنُ لَكَ) .

أقول: جاء فعل الإيمان متعديا بالباء فتضمن معنى التصديق، وتعدى باللام فتضمن معنى الرضى والتسليم والإذعان لأن إيمانهم يعصمهم من الكذب والرياء، فرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقبل ما يقولونه ويسلم لهم راضيا لما يسمعه منهم، إنه الرحمة المهداة وإنه الإيمان، وإنه الرضا والتسليم.

أرأيت إلى تعدية الأفعال بحروف المعاني في هذه اللغة الشريفة كيف تبدي لك محاسنها، لتتأملها بالبشر والإيناس من خلال تركيبها في دقة المسلك ولطف المأخذ على وجه مستطاب، حين جمعت معنى التصديق إلى الرضا والتسليم والإذعان وأبلغ اللفظ ما تعددت وجوه إفادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت