حكى العز: أي فلما تركوا ما أمروا به ... التجوّز بالتذكير عن الأمر.
وقال الزمخشري: نسوا ما ذكروا به: تركوا الاتعاظ به ولم ينفع فيهم ولم يزجرْهم. أي تضمن التذكير معنى الوعظ والنسيان معنى الترك. وأورد أبو حيان: (نسوا) تركوا الاتعاظ والازدجار بما ذكروا به من البأس، استدرجناهم بتيسير طلباتهم الدنيوية. قال القرطبي: (نسوا) تركوا ما ذكروا به، وذلك لأن التارك للشيء إعراضا عنه قد صيَّره بمنزلة ما قد نسي.
أقول: سياق الآيات من إصرارهم على ترك التضرع عند نزول العذاب ومن قسوة قلوبهم، ومن تزيين الشيطان لهم وحملهم على المعاصي، كل ذلك لَيدل على أنهم تركوا ماجاءهم من مواعظ وأوامر وراء ظهورهم عن إصرار وعمد لا عن نسيان وسهو وغفلة ومن أجل ذلك فتح اللَّه عليهم فتنة السراء وآتاهم من كل ما سألوه ثم أخذهم بعذابه فإذا هم مبلسون، فالتضمين جرى في التجوز بالنسيان عن الترك والإعراض، وبالتذكير عن الأمر لتنبيه قلوب المؤمنين من خطر ذلك المسلك، تعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية، فما عاد يستشعر وخزة من ضمير تفتح مغاليق قلبه وترد إليه وعيه.
بقي سؤال: إذا كان نسيان ما ذكروا به مضمنًا معنى تركهم عن عمد وإصرار فلماذا جاء التعبير بلفظ النسيان ولم يأت بلفظ الترك؟ وجاء بلفظ التذكير بدلا من الأمر؟ والجواب:
أولًا: نلاحظ المقابلة بين النسيان والتذكر في الآية وما فيه من جمال فني.
ثانيًا: - إن شأن المعرض عن أمر ذكرتَهُ به وأمرته كشأن الناسي في ظاهر الأمر كلاهما لم يأتِ من الأوامر والنواهي بشيء.
ثالثًا: إن وصف المتمردين المعتدين على سلطان اللَّه بالنسيان، فيه تعطيل لأجهزة الاستقبال الفطرية فيهم، فلا يقظة من قلب ولا تَنبهَ من ضمير.
رابعًا: ما رسمته الآية السابقة في وصف حالهم: قست قلوبهم ... لا يتضرعون إلى ربهم ... مصرون فلا يرجعون عما زينه الشيطان لهم من الإعراض والعناد ... بعد هذا الانحراف في الفطرة التي فسدت فلا يُرجى لها صلاح بعد كل هذا تصفهم الآية بالنسيان، إنه إذًا تعطيل للفطرة، واستهزاء بالأوامر الربانية، ومن أجل ذلك فتح عليهم كل باب مغلق، وفتنة السراء أشد من فتنة الضراء لأن هذه قد تكون سببًا في عودته إلى صوابه.
والتضمين لون من ألوان النشاط الفكري، وله صلة بعلم الدلالة حيث لا تأتيك معه المعاني مصرحًا بها مكشوفًا عن وجهها، بل مستورة من وراء حجاب لتكون أبهى وألطف. فاستروح إليه، واعتاده. واجعله منك في برهان لائح لِتسْطَعَ إشراقاته في نفسك.