فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 531

الوعظ: زجر مقترن بتخويف. وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب.

وذكر العز بن عبد السلام: أي يؤمرون. وروى أبو حيان: قيل الوعظ بمعنى الأمر أي فعلوا ما يؤمرون به فانتهوا عما نهوا عنه. وقال في ري الظمآن: ولو فعلوا ما يوصَوْن به.

وذكر الرازي: لو شددنا التكليف على الناس نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون، وحينئذٍ يظهر كفرهم وعنادهم، فلما لم نفعل بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة فلْيقبلوها.

وقال الآلوسي: يوعظون به أي يؤمرون به مقرون بالوعد والوعيد من متابعة الرسول والانقياد إلى حكمه.

أقول: (وعظ) لا يتعدى بالباء فماذا تضمَّن حين دخلت عليه؟ العون والتثبيت والأجر العظيم مّمن؟ من اللَّه .. ولمن؟ للذي ينهض بالتكاليف فلا يستهتر ولا يتسهين، مع العزيمة وإخلاص النية، والشروع فيما افترضه عليه مولاه في حدود قدرته وطاقته.

تضمن (الوعظ) إذًا في سياق الآية معنى (التكليف) ولعله أسدُّ من الأمر. هذه التكاليف: عزائم ورخص. والأصل في التكليف العزيمة، والرخصة طارئة عليه. فمن عمد إلى جمع الرخص ليقول: إن الدين يسر، يتملق بذلك رضى المنحلين أو الطغاة أو الحاقدين فيستهتر ويستهين. فالدين ليس كذلك، ولكنه رخص وعزائم في حدود طاقة البشر (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) وما جاءت الباء مع الفعل (وعظ) إلا لتضم إلى المواعظ التكاليف عن طريق التضمين وتنفي عن الدين أن يكون مجرد مواعظ تُرقق القلب وتذكر بالخير وتستنيم إلى الواقع، الواقع المنحل والفطر المتبلدة، فاللَّه الذي كلفهم أعلم بقدراتهم. ثم سياق الآية يوضح الرؤية ويتمم المعنى، فمجرد أنه فعل أي بدأ بما كُلف به، يتبعه العون من الله، ويتبعه التثبيت على المضي فيما أخذ به نفسه، ويستتبع الأجر العظيم من الله، وتتبعه الهداية إلى صراط اللَّه المستقيم. ولعل في اختيار لفظ (الوعظ) بدلا من (التكليف) دلالة على تكريم الإنسان ثم وروده بصيغة المضارع بدلا من الأمر مع مجيء (لو) كان ذلك كله لإفادة (الحث) . فالذي ينطلق للعمل عن طواعية ولمجرد سماعه للموعظة، أرقى درجة، وأسمى مكانة من الذي يعمل بتوجيهٍ من التكليف والأمر والقسر.

فارعَ هذه الحروف حق رعايتها. ولاطفْها ولا تجفُ عنها. وافزع إليها إذا وقعت في إلباس من أقوال بعض المعربين، يجتلِ التضمين عن جوهرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت