فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 531

ذكر العز: لتصيرنّ أو لتدخلنّ. قال الزركشي: ضمن تعودن معنى لتدخلنّ أو لتصيرنّ. وقال الزمخشري: العود يستدعي الرجوع إلى حال كان عليها قبل، ولكنه هنا بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب كثرة فاشية تقول: (عاد لا يكلمني) والمعنى: أو لتصيرن كفارا مثلنا. وقال أبو حيان: وعاد لها استعمالان: أحدهما: أن تكون بمعنى صار، والثاني: بمعنى رجع إلى ما كان عليه. وقال الآلوسي: تعود بمعنى تصير كما أثبته بعض النحاة واللغوين وعلى ذلك قول الشاعر:

فإن لم تكن الأيام تحسن مرة ... إليَّ فقد عادت لهن ذنوب

فكأنهم قالوا: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن مثلنا والجار والمجرور (في ملتنا) في موضع الحال ليكن منكم الخروج من قريتنا أو العودة إليها كائنين في ملتنا ولا يخفى بعده وعُدِّي العود بـ (في) إيماءً إلى أن الملة بمنزلة الوعاء المحيط بهم.

أقول: ولعل تضمين (الثبوت والدخول) أوضح من الصيرورة والطاغوت وضع شعيبا بين أحد أمرين: الخروج (لَنُخْرِجَنَّكَ) والمراد به المطاردة والملاحقة للقضاء عليه أو: الثبوت لتثبتن في ملتنا ومراده الاندماج والذوبان، واختيار (لتعودن) بدلا من (تثبتت) إشارة إلى كراهيتهم أن يرجعوا إلى الملة الخاسرة، ملة الطاغوت التي نجاهم اللَّه منها، وها هو شعيب عليه السلام يستنكر ما يتهدده به الطغاة من إعادته مع من آمن إلى الملة التي نبذوها

(أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ(88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ).

فيواجه التهديد الذي يزاوله الطاغوت في كل أرض مع الجماعة المسلمة حين تخرج عن سلطانه وحيا بالتلويح دون التصريح (أَوْ لَتَعُودُنَّ) وذلك أقوى من أن يكون مكاشفة ومصارحة وجهرا عناية بما وراعه من المقاصد، وتوصلا إلى إدراك المطالب.

إن تكاليف الخروج مهما عظمت أهون بكثير من تكاليف العبودية الفاحشة للطواغيت مهما رافقها من سلامة الأمن وتيسير الرزق لأنهما لجام يقود بهما الطاغوت كل من يتصور أنه ناح بدينه وعرضه تحت حكمه.

أجل من ظن ذلك فهو واهم أو فاقد الإحساس، ومهما كانت تكاليف الغربة باهظة فهو الرابح حتى في ميزان الدنيا قبل ميزان الآخرة. فالجاهلية في كل عصر لا تقبل من الرسل والدعاة أن ينفصلوا بتجمعهم وقيادتهم عنها، بل تفرض عليهم أن يعودوا ليثبتوا فيها بل ليدخلوا ويذوبوا في التجمع الجاهلي ويندمجوا فيه (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) ويقول الذين لا يدركون خطر العودة أي خطر الثبوت فيهم والبقاء في تجمعهم بل خطر الاندماج في التجمع الجاهلي وفقدان شخصيتهم الإسلامية بحجة الضرورة يقولون: لندخل ولنثبت في ملتهم ونزاول دعوتنا ونخدم عقيدتنا من خلالهم. هكذا يدخلون تحت قبح الضرورة مع قدرتهم على الانفكاك منها.

إن تميز المسلم بعقيدته لا بد من أن يتبعه تميز وتحيز في تجمعه وقيادته وولائه، وتَنْحِيته للأرباب الزائفة عن مراكز القيادة والسلطة، ولا خيار له في ذلك، لأن هذه المفاصلة من لوازم العمل الدعوي كما أشارت الآيات الكريمة، إن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان في الأرض وجود ممثل في قاعدة أو جماعة أو حكومة لا تدين إلا لله ولا تعترف إلا بسلطانه ولا تُحَكِّم إلا شرعه، لها قيادتها ومنهجها المستمد من كتاب اللَّه وسنة نبيه، وتنبذ كل قانون أرضي ولو صدر عن هيئته أمم أو عصبة أمم ... إن وجود مثل هذه الجماعة أو القاعدة أو الحكومة يهدد طواغيت الأرض كافة فتفرض عليها المعركة فرضا ولو آثرت ألا تخوضها معها: لنخرجنك ... أو لتعودن ... ليس غير.

إنه معلم من معالم هذا الدين واضح وجلي ولكن أكثر الناس يضعف عن احتماله لثقل تكاليفه: مطاردة وملاحقة وتضييق وتهديد في كل مكان ... يدع القصور ليعيش في الكهوف .. يأنس بما كان يستوحش منه ...

يطوي الليالي يقتات على كسرات ... يستبدل القسوة باللين والشظف بالنعيم والخوف بالأمن ...

أرأيت كم أوحى الحرف (في) حين دخل على فعل لا يتعدى به فأطلق يده في توجيه دلالاته!!.

إنه التضمين وهذا من جنى ثمراته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت