فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 531

قال أبو حيان والزمخشري والجمل والزجاج: (نفسه) تمييز عند الكوفيين أو شبه مفعول به أو مفعول به، لأن سفه يتعدى بنفسه أو ضُمن معنى (جهل) أو على إسقاط حرف الجر والصحيح أن (سفِه) على الكسر يتعدى بنفسه كما حكاه المبرد وثعلب، وأما على الضم (سفُه) فلازم.

وذكر العز: ضمن (سفه) معنى (جهل) وذكر الزمخشري: وقيل: انتصاب النفس على التمييز نحو غبن رأيه وألم رأسه. وقيل معناه سفه في نفسه فحذف الجار كقولهم: زيد ظني مقيم. أي في ظني مقيم والوجه هو الأول.

وذكر أبو حيان: وانتصاب نفسه على أنه تمييز على قول بعض الكوفيين وهو الفراء، أو مشبه بالمفعول على قول بعضهم أو مفعول به، إما لكونه سفه يتعدى بنفسه كسفه المضعّف، وإما لكونه ضُمن معنى ما يتعدى، أي (جهل) وهو قول الزجاج وابن جني، أو (أهلك) وهو قول أبي عبيدة، أو على إسقاط حرف الجر وهو قول بعض البصريين، أو توكيد لمؤكد محذوف تقديره: سفه قوله نفسه حكاه مكي، أما التمييز فلا يجيزه البصريون لأنه معرفة وشرط التمييز عندهم أن يكون نكرة وأما كونه مشبهًا بالمفعول فذلك عند الجمهور مخصوص بالصفة ولا يجوز بالفعل أن تقول: زيد حَسَنٌ الوجهَ. ولا يجوز حسن الوجه ولا يحْسُنُ الوجهُ، وأما إسقاط حرف الجر وأصله من سفه في نفسه، فلا ينقاس، وأما كونه توكيدًا وحُذف مؤكده ففيه خلاف، وأما التضمين فلا ينقاس، وأما نصبه على أن يكون مفعولا به ويكون الفعل يتعدى بنفسه فهو الذي نختاره لأن ثعلبا والمبرد حكياه: أن سفِه بكسر الفاء يتعدى كسفه.

قال ابن عباس: معنى (سفه نفسه) : خسر نفسه وقال أبو روق: عجز رأيه عن نفسه، وقال يمان: حمق رأيه، وقال الكلبي: قتل نفسه، وقال ابن بحر: جهلها ولم يعرف ما فيها من الدلائل. وأما سفُه فمعناه صار سفيها مثل فقُه: صار فقيها. أ. هـ. وذكر الآلوسي: نفسه مفعول به، وأما سفُه بالضم فلازم، ويشهد له ما جاء في الحديث: قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:"الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس". وقيل: إنه لازم أيضًا وتعدى المفعول لتضمنه معنى ما يتعدى إليه أي (جهل نفسه) لخفة عقله وعدم تفكره، أو قيل: أن النصب بنزع الخافض أي في نفسه فلا ينافي اللزوم. اهـ.

قال الزجاج: القول الجيد عندي في هذا أن سفه في موضع جهل فالمعنى جهل نفسه أي لم يفكر في نفسه، فوضع سفه في موضع جهل وعُدي كما عدي. وفي الحديث الثابت المرفوع: حين سئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن الكبر فقال: (الكبر من سفه الحق) ، أي جهل الحق فلا يراه حقًا. وفي حديث آخر:"ولكن البغي من سفه الحق".

أقول: إنسان يُدعى إلى ملة إبراهيم عليه السلام، إلى الحنيفية السمحة، إلى الإسلام، وتتهيأ له فرصة الارتفاع ولكنه يهبط، يرغب عنها بمحض إرادته، ما أتعسه وما أشقاه! وما أبشعها من صورة وأسوأها من خاتمة، لقد سفه نفسه.

النفس العزيزة وقد كرمها اللَّه حين نفخ فيها من روحه، يمتهنها صاحبها ويحتقرها فتخزى.

وبهذا التوجيه في تضمين سفه معنى (امتهن واحتقر) يكون أدنى إلى مفهوم اللغة وأحكم في الدلالة على المراد، للتناسق مع الحالة النفسية التي يصورها، والنموذج البشري الذي يعرض له.، فالسَّفَه: خفة الحلم، أما المهانة: فضعف الرأي ومن عادة العرب أن يعطوا المأخوذ منه حكما من أحكام صاحبه عِمارة لبينهما، وتتميمًا للشبه الجامع لهما.

فجمع التضمين السفاهة مع المهانة: وخفة الحلم مع الظلم فخزي في نفسه من معرته وأي ظلم لها أشد من الرغبة عن ملة إبراهيم عليه السلام عن الإسلام.

إنه التضمين: اللمحة السريعة تكشف عن حقيقة، وهي أوسع من أن تنحصر في لفظ، وإلا لما كانت حقيقة، يكتسي فيها اللفظ إشعاعًا لتعميق معناه والإبانة عن صُوَرِه، فهو هنا - أي اللفظ - من مُبُدوء الكلام ومكروهه، أبدعته حماقة السفيه وفجوره وإلحاده، وبذلك عز مطلب التضمين وبعد شأوه ...

بصير بعورات الكلام إذا التقى ... شريجان بين القوم حق وباطل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت