ذكر أبو حيان: عُدي الرفث بـ (إلى) وإن كان أصله الباء لتضمنه معنى (الإفضاء) . وقد ذهب ابن جني وغيره كابن الشجري والزركشي إلى أنها في معنى الإفضاء.
وأنت لا تقول رفثت إلى المرأة وإنما تقول: رفثت بها أو معها، ولكنه لما كان الرفث هنا بمعنى الإفضاء، وكنت تُعدي أفضيت بـ إلى، جئت بـ (إلى) مع الرفث إيذانا بأنه في معناه.
أقول: الرفث: الإفحاش. وهو بالفرج: الجماع وباللسان: المواعدة للجماع، فتضمين الرفث وهو مقدمات المباشرة أو المباشرة ذاتها معنى الإفضاء والمتعدي بـ (إلى) يمنح العلاقة بين الزوجين لمسة إنسانية تترفع بها عن عالم الحيوان، لمسة حانية فيها من الرفق والنداوة والشفافية مثلما ما فيها من سمّو المشاعر.
أما ما ذهب إليه ابن الجوزي: أن إلى بمعنى الباء فنُبُو عن فقاهة النظم وغضٌّ من نفاسته.
وتحسُرُ (إلى) هذه عن مَسافر وجهها الجميل لتحكي ما اشتملت عليه المشاعر حين جمعت الرفث إلى الإفضاء فيما أحلّ اللَّه للزوجين في شهر الصيام، لتَنْأى بهما عن عُرام الجسد والحبيس في الرغبات المكبوتة في
اللحم والدم بعد أن تستتْبع خلفها معنى السِتْر يتدثر به كل من الزوجين (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) . ولتتصل بأُفق أرفع من الأرض، وبغاية أسمى من اللذة، تَرِقُّ وترقى إلى معارج عُليا للتربية والعطاء ... فيربط توجيه كل نشاط باللَّه عز وجل (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) .
ومن هنا ندرك قيمة الجهد المثمر الحكيم لترقية البشرية والاستعلاء بها، وقيمة المنهج الإسلامي للتربية حين يربط كل نشاط وكل حركة باللَّه عز وجل.
وحسب التضمين أنه جعل في لفظ الرفث نداوة يخضر بها ويرمي ظلاله، ولمسةً رفّافةً تنأى عن عُرام الجسد، تبتغي الإعفاف والإنجاب وتوقظ معنى الستر في هذا الحرف (إلى) ، فجمع من صنوف البيان ما ذاع صيته على كل لسان.