فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 531

(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(57)

ذكر الزمخشري: لبلد ميت الأصل بلد ليس فيه حياة فأنزلنا به: بالبلد أو بالسحاب أو بالسَّوق.

وقال أبو حيان: اللام للتبليغ كما قلت لك وفرق بين سقت لك مالا، وسقت لأجلك مالا، فالأول معناه أوصلته لك، والثاني لا يلزم منه وصوله.

وذكر الجمل: لبلد ميت: اللام للتبليغ كقولك: قلت لك. فأنزلنا به الضمير يعود لأقرب مذكور وهو بلد ميت، فلا بد أن تكون الباء ظرفية بمعنى أنزلنا في ذلك البلد. وقيل: يعود على السحاب. ثم في الباء وجهان أحدهما: بمعنى (مِنْ) أي: فأنزلنا من السحاب الماء، والثاني: سببية أي أنزلنا بسبب السحاب. وقيل: يعود على السَّوق فأنزلنا بسبب سوق السحاب.

وهو ضعيف. فأخرجنا به: الخلاف في الهاء كالذي في قبلها. ويزيد عليه وجهًا آخر بالعود على الماء ولا ينبغي أن يُعَولَ عليه. أ. هـ السمين. وذكر الآلوسي: اللام لبلد: للتعليل أي لأجله ومنفعته وإحيائه وسقيه، وكذلك قال الرازي. ومثله قال الخليل بن أحمد الفراهيدي.

وذكر صاحب التوضيح: اللام للانتهاء بمعنى إلى بلد.

أقول: عرض سريع وخاطف لآثار الربوبية في هذا الكون، ونموذج من الرحمة: السحاب الثقال يسوقه الريح، ومعه المطر الهتون، والزرع المُفرع، والثمر النضيج .... آثار الفاعلية والتدبير والتقدير للملك الحكيم، والخالق الرازق، يُنشئ برحمته الأسباب، وكل ذلك يجري وَفقَ النواميس التي أودعها في الحياة وتركها تتحرك وَقق مشيئته. ثم ربط بين النشأة الأولى والنشأة الآخرة فمعجزته في الحياة واحدة ... (ساق) إذًا تضمن معنى (وجَّه) والمتعدي باللام وسياق الآية بتوجيه

الماء وإنزاله، وإخراج الثمرات به يحملنا على ترجيح التضمين لأن الفعل يتعدى بـ (إلى) (فسقناه إلى بلد ميت) . والعلاقة بين المضمن والمضمن فيه لازمتة لأن من لوازم السَّوْق: التوجيه.

وبهذا تنتفي العفوية أو المصادفة في كل ما يجري في الكون كما يدعي الخرَّاصون وتنتفي الجبرية الآلية كما يزعم الماديون بأن الكون آلة عمياء، فالتضمين يدع قلوبنا يقظة، كل شيء يتحرك حسب المشيئة الإلهية فنرى يد اللَّه الفاعلة وفق نواميسه الحكيمة.

إذ ليس من خير يعمُّ الورى ... إلا يد الحكمة جلية فيه

فاللام على أصلها ليس لتعليل ولا تبليغ ولا بمعنى (إلى) ، ولا بمعنى (في) وإلا لكان فيها إلباس واستثقال. فاحفظ نفسك من تضمين الحروف ولا تسترسل إليه.

فقلت تعاورا * واللَّهِ فُحْشا ... وتنكشف المزية للرشيد وإذا كان الفعل في سورة فاطر متعديا بـ (إلى) فلأن السياق مختلف.

وأما أنزل فالباء على أصلها ليست بمعنى (مِن) ولا بمعنى (في) لأن الفعل يتعدى بالباء قَالَ تَعَالَى: (يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ) . وفي الحديث:

"أنزل بهم بلاء فلم يرفعه عنهم". وهو بتخفيف الزاي وتشديدها قراءة سبعية، ونزول الماء بسبب السحب أمر بدهيٌّ. فجمع التضمين بهذه اللوم المعنيين.

فهذه الحروف مفاتح أفعال لا تُدافَع أبوابُها إلا بمقدار ما تُدفَع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت