فهرس الكتاب

الصفحة 480 من 531

قال أبو حيان: أجاز أبو البقاء أن يكون قطَّعنا بمعنى صيرنا، وأن ينتصب اثنتي عشرة على أنه مفعول ثانٍ بـ (قَطَّعْنَاهُمُ) ، وجزم الحوفي: بأن اثنتي عشرة مفعول لـ (قَطَّعْنَاهُمُ) أي جعلناهم.

وقال أبو السعود: (اثنتي عشرة) ثاني مفعولي قطَّع لتضمنه معنى التصيير، أو حال من مفعوله أي فرقناهم معدودين هذا العدد.

وقال الجمل: والظاهر أن قطعناهم متعد لواحد لأنه لم يضمن معنى ما يعدى لاثنين، فعلى هذا يكون اثنتي عشرة حالا من مفعول قطَّعناهم أي فرقناهم معدودين، وجوز أبو البقاء أن يكون قطَّعناهم متضمن معنى صيّرناهم، وأن اثنتي عشرة مفعول ثانٍ وجزم الحوفي بذلك.

وذكر الآلوسي: قطع يقرأ مشددًا ومخففا، والأول هو المتواتر، ويتعدى لواحد، وقد يضمن معنى صيَّر فيتعدى لاثنين، فقوله: (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) حال أو مفعول ثانٍ أي فرقناهم معدودين بهذا العدد أو صيرناهم.

إنها الرعاية الربانية تشمل موسى عليه السلام كما شملت قومه بعد أن عبدوا العجل، ثم كفروا عن خطيئتهم فتاب اللَّه عليهم فطلبوا رؤية اللَّه جهرة فأخذتهم الرجفة ثم أحياهم بدعاء موسى لهم، تتجلى هذه الرعاية في ردهم حسب فروعهم اثنتي عشرة أمة. ترجع كل أمة منها إلى حفيد من أحفاد جدهم يعقوب وقد كانوا محتفظين بأنسابهم على الطريقة القبلية، وجعل اللَّه لكل منهم عينا فلا يعتدي بعضهم على بعض حين ضرب موسى بعصاه الحجر، وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى من أفخر الطعام.

ولكن الجبلة اليهودية ملتوية عن الاستقامة عصية عن الهدى، يأتيها الابتلاء فلا تصبر، لأن الصبر يحتاج إلى طبيعة ترتفع عن الأهواء والأطماع.

فتضمين التقطيع معنى (الرد) والمتعدي لمفعولين يستنيم إليه السياق لأنه عودة بهم إلى أصولهم الاثنتي عشرة أمة ترجع كل واحدة إلى حفيد. أما تقدير حال محذوفة فمستثقل، وأما التصيير فغير وارد. فكم كانوا حتى أصارهم إلى هذا العدد؟!.

والسؤال الآن: لم جاء التعبير بالتقطيع (وَقَطَّعْنَاهُمُ) بدلا من الرد؟ والجواب: لعل هذه الجبلة عصية عن الهدى كما جاء في ختام هذه الآية: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .

وظلال التقطيع والتمزيق مستوحش يليق بظلمهم لأنفسهم بعد أن غَلّتْ نعمة اللَّه أيديهم فجاء ردهم إلى أصولهم بلفظ التقطيع والتمزيق، ليجمع التضمين المعنيين، ويتدثر بثوبين كل واحد ينبئ عن أخيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت