قال الزمخشري: هدى أصله يتعدى باللام أو بـ (إلى) : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) وقال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وقد عومل هنا معاملة (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) أي منصوب على نزع الخافض. وإما بتضمينه معنى أدخل، يقال: سلكه وأسلكه.
وذكر الطبري: اهدنا: ألهمنا الطريق الهادي. وإلهامه إياه هو توفيقه له. والهداية في كلام العرب معناها التوفيق (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي لا يوفقهم ولا يشرح للحق صدورهم، والعرب تقول: هديت فلانا الطريق، وهديته للطريق، وهديته إلى الطريق: إذا أرشدته إليه وسددته له، وكل ذلك فاشٍ في منطقها، موجود في كلامها. وقال أبو حيان: الهداية: إرشاد وتبيين وإلهام ودعاء، والأصل أن يصل إلى ثاني معموليه بنفسه.
وقال ابن عباس: أرشدنا للدين الذي ترضاه وهو الإسلام ويقال: ثبتنا عليه.
وقال البروسوي: عرفنا ما في كل شيء من دلالته على ذاتك وصفاتك وأفعالك وإقبال بالكلية عليك والإعراض عما سواك.
لقد جاءت الهداية كما رأينا بمعنى الإلهام والتوفيق والتعريف والإرشاد والتسديد وكلها لا تتعدى إلى الثاني بنفسها إلا ألهم. وقال بعضهم: انتصب الصراط على نزع الخافض.
أقول: ولعل تضمين (هداه) معنى (سلكه) ونظمه مسالكه، يصور مفهوم الهداية هنا على أشرف أحوالها وأنوه صفاتها، إنها التسليك العملي لا القولي في صراط المنعَم عليهم. ومَن هؤلاء؟ إنهم (مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) .
فليست الهداية كما قالوا: رجاء أو التماسا أو تعريفا بل تسليكا.
وأي فائدة من معرفة صراط الذين أنعمت عليهم إن لم يكن لنا من اللَّه تسليك؟ فأنزلت الهداية على حكم التسليك والتسيير على الصراط السوي في مسلك المهتدين، وهذا أكشف عن وجه المعنى، فالمتعدي بحرف اللام أو (إلى) يطلب الوصول إليها، أما المتعدي بنفسه فيطلب من اللَّه التسليك عليها وهو ثمرة الهداية وهو ضمان السعادة في الدارين. وللعارفين في هذا الباب ملاحظ ومباحث لا ترقى إليها إلا الخاصة.