روي أن أنس بن مالك رضي اللّه عنهما لما دخل البصرة جعل كلما خطا خطوتين رأى مسجداً فقال: ما هذه البدعة؟ لما كثرت المساجد قلّ المصلون، أشهد لقد كانت القبيلة بأسرها ليس فيها إلا مسجد واحد، وكان أهل القبائل يتبانون المسجد الواحد في الحي من الأحياء واختلفوا في أيهما يصلّي إذا اتفق مسجدان في محلة، فمنهم من قال في أقدمهما وإليه ذهب أنس بن مالك وغيره من الصحابة، قال: وكانوا يجاوزون المساجد المحدثة إلى المساجد العتق، وكان الحسن يقول: يصلي في أقربهما منه ويقال: أول ما حدث من البدع أربع: الموائد، والمناخل، والأشنان، والشبع، وكانوا يكرهون أن تكون أواني البيت غير الخزف ولا يتوضأ أهل الورع في آنية الصفر والنحاس، قال الجنيد: قال لي سري السقطي: اجتهد أن لا تستعمل من آنية بيتك إلا جنسك يعني من الطين، ويقال: لا حساب عليه، ومما كرهه السلف تشييد البناء بالجص والآخر، يقال: أول من طبخ الطين هامان أمره به فرعون، ويقال: هو بناء الجبابرة، وكرهوا النقوش والتزويق في السقوف والأبواب، وكانوا يغضون من النظر إلى ذلك وغاب الأحنف بن قيس غيبة فرجع وقد خضّروا سقف بيته وصفّروه فلما نظر إليه خرج من منزله وحلف أن لا يدخله حتى يقلعوا ذلك منه ويعيدوه كما كان، وقال يحيى بن معاذ من أصحاب الثوري رحمه اللّه: كنت أمشي مع الثوري في طريق فمررنا بباب منقوش مزوّق فنظرت إليه فجذبني سفيان حتى جزت فقلت: ما تكره من النظر إلى هذا؟ فقال: إنما بنوه لينظر إليه ولو كان كل من مرّ به لا ينظر إليه ما بنوه، فكأنه خشي أن يكون بنظره إليه معاوناً له على بنائه، ومما أحدث الناس مما كانوا يكرهونه الثياب الرقاق مثل القصب ورقيق بز مصر للنساء والرجال وهو للنساء أكره وأغلظ وكانوا يقولون: الثياب الرقاق لباس الفساق ومن رق ثوبه رق دينه ويقولون أول النسك الزي.