فهرس الكتاب

الصفحة 891 من 922

وقد قال اللّه تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ} الروم:56. ففرق بينهما يدل به أن من أوتي إيماناً أوتي علماً كما أن من أوتى علماً نافعاً أوتي إيماناً وهذا أحد الوجوه في معنى قوله سبحانه: {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} المجادلة:22. أي قواهم بعلم الإيمان، فعلم الإيمان هو روحه وتكون الهاء عائدة إلى الإيمان وكذا العالم الذي هو من أهل الاستنباط والاستدلال من الكتاب والسنّة فإنه أداة الصنعة وآلة الصنع لأنه ذو تمييز وبصيرة ومن أهل التدبر والعبرة، فأما الجاهل والعامي الغافل فله أن يقلد العلماء ولعالم عموم أيضاً أن يقلد عالم خصوص وللعالم بالعلم الظاهر أن يقلد من فوقه ممن جعل على علم باطن من أهل القلوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم ردّ من علم الألسنة والفتيا إلى علم القلوب ولم يرد أهل القلوب في علمهم الذين يختصون به إلى المفتين لأنهم يأخذون من المفتين فتياهم ثم يجدون في قلوبهم حيكاً وحزازة فيلزمهم فتيا القلب لقوله: استفتِ قلبك بعد قوله وإن أفتاك المفتون مع قوله الإثم حزاز القلوب إلى قوله ما حاك في صدرك فدعه وإن أفتوك وأفتوك ثم درس معرفة هذا فجهل فصار كل من نطق بكلام وصنعه غرب على السامعين لا يعرف حقه من باطله سمي عالماً وكل كلام مستحسن زخرف رونقه لا أصل له يسمّى عالماً لجهل العامة بالعلم أي شيء هو ولقلة معرفة السامع بوصف من سلف من العلماء كيف كانوا فصار كثير من متكلمي الزمان فتنة المفتون وصار كثير من الكلام والرأي والمعقول الذي حقيقته جهل كأنه علم عند الجاهلين فلا يفرقون بين المتكلمين والعلماء ولا يميزون بين العلم والكلام، وقد قلنا: إن خصوص الجهال يشبهون بالعلماء فيشتبهون على مجالسيهم في الحال، فأعلم الناس في زمانك هذا أعرفهم بسيرة المتقدمين وأعلمهم بطرائق السالفين ثم أعلمهم بالعلم أي شيء هو وبالعالم من هو من المتعلم والمتعالم وهذا كالفرض على طالبي العلم أن يعرفوه لأنه لما قال صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة وجب عليهم أن يعرفوا أي شيء هو العلم حتى يطلبوه إذ لا يصح طلب ما لا يعرف ثم وجب عليهم من هذا أن يعرفوا العالم من هو ليطلبوا عنده العلم إذ العلم عرض ولا يقوم إلا بجسم فلا يوجد إلا عند أهله كما قيل لعلي كرم اللّه وجهه وقيل له إنك خالفت فلاناً في كذا فقال خيرنا أتبعنا لهذا الدين، وكما قيل لسعد أن ابن المسيب يقرأ ما ننسخ من آية أو ننسأها فقال: إن القرآن لم ينزل على ابن المسيب ولا على أبيه ثم قرأ أو ننسها فأعلم الناس في هذا الوقت وأقربهم من التوفيق والرشد أتبعهم لمن سلف وأشبههم بشمائل صالحيّ الخلف، كيف وقد روينا عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنه سئل من أعلم الناس؟ فقال: أعرفهم بالحق إذا اشتبهت الأمور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت