وحدثني شيخ فاضل قرأت عليه القرآن قال: قرأت القرآن على شيخ لي فلما ختمت رجعت إليه لأقرأ فانتهرني وقال: جعلت القرآن عليّ عملًا اذهب فأقرأ على اللّه عزّ وجلّ فانظر ماذا يسمعك منه ويفهمك عنه وقد كان من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من لا يحفظ إلا الجزء والجزءَين والسور المعدودة وسورتين وكان من يحفظ الحزب منه وهو السبع أو البقرة والأنعام علمًا فيهم، وقبض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن عشرين ألف صحابي لم يقرؤوا القرآن غير نظر فلم يحفظ القرآن كله منهم إلا ستة اختلف منهم في اثنين، وقال بعضهم: ولم يكن جمعه من الخلفاء الأربعة أحد، وختم ابن عباس على أبي بن كعب وقرأ عبد الرحمن ابن عوف على ابن عباس وقرأ عثمان بن عفان على زيد بن ثابت وقرأ أهل الصفة على أبي هريرة، وكلهم كان متبعًا لأوامره مجتنبًا لزواجره عالمًا به فقيهًا فيه، وقال يوسف بن أسباط: وقد قيل له إذا ختمت القرآن بأي شيء تدعو؟ فقال بأي شيء أدعو أستغفر اللّه عزّ وجلّ مائة مرة من تلاوتي، وكان يقول: إني لأهم بقراءة القرآن فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فأعدل إلى التسبيح والإستغفار وأعلم أن للعبد في قراءة القرآن بحسب ما له من تعظيمه والفهم له والمشاهدة منه والمعاملة به لأنه من أكبر شعائر اللّه في خلقه وأعظم آياته في أرضه الدالات عليه وأسبغ نعمه الكاملة علينا وللعبد من التعظيم له بقدر تقواه، وله من فهم الخطاب وتعظيم الكلام على نحو ما أعطي من معرفة المتكلم وهيبته وإجلاله فإذا عظم المتكلم في قلبه وكبر في فهمه أنعم تدبر كلامه وأطال الفكر في خطابه وأكثر ترداده وتكريره على قلبه وأسرع بذكره عند النازلة به والحاجة إليه فاتقى وحذى ولذلك قال سبحانه: {وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة:63 وقال كذلك يبين اللّه آياته للناس لعلهم يتقون ولعلهم يتذكرون لأن كل كلام موقوف على قائله يعظم بتعظيمه ويقع في القلب بعلو مكانه أو يهون بسهولة شأنه، قال اللّه عزّ وجلّ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الشورى:11 في العظمة والسلطان وليس ككلامه كلام في الأحكام والبيان، وقرأت في سورة الحنين من التوراة: يا عبدي أما تستحي مني يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرؤه وتتدبره حرفًا حرفًا حتى لا يفوتك شيء منه، وهذا كتابي أنزلته إليك أنظر كم وصلت لك فيه من القول وكم كررت عليك فيه فتأملت طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه، أفكنت أهون عليك من بعض إخوانك أي عبدي يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك وتصغي إلى حديثه بكل قلبك فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه أن كف وها أنا ذا مقبل عليك ومحدث لك وأنت معرض بقلبك عني فجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك أو كما قال وإنما خف القيام على أهل الليل لفهم الخطاب وثقل على أهل النوم لانفصام القلوب عن الفقه وشدة الحجاب كما قال تعالى: {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} الأعراف:187 أى خفي علمها يعني الساعة فثقلت عليهم فسمي ما خفي علمه ثقيلًا واللّه أعلم.