{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} المائدة:54 أي لا يرتدون لأنهم أبدال المرتدين، ولا ينبغي أن يكونوا أمثالهم، كما قال: يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم، ومن علامة محبة المولى تقديم أمور الآخرة من كل ما يقرَّب من الحبيب على أمور الدنيا من كل ما تهوى النفس، والمبادرة بأوامر المحبوب وبواديه قبل عاجل حظوظ النفس، ثم إيثار محبته على هواك واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمرك به ونهاك، والذل لأوليائه من العلماء به والعاملين، ثم التعزز على أبناء الدنيا الموصوفين بها المؤثرين لها، كما قيل لابن المبارك: ما التوضع؟ فقال: التكبر على المتكبرين، وقال الفتح بن شحرف، رأيت عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه في النوم فقلت: أنبئني بحرف خير فقال: ماأحسن تواضع الأغنياء للفقراء رجاء ثواب اللّه، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء ثقة باللّه، وإنما وصف اللّه أحباءه بالذل للأولياء والعزّ على الأعداء لأنه يصف من يحبه بأحسن الأوصاف، فالذل للحبيب حسن، والعزّ على العدو في حسنه مثل العزّ على الذليل، فلذلك وصف اللّه محبه بالذل للولي وبالعزّ على العدو، وقبح العزّ على الحبيب كقبح الذلّ للعدو، واللّه لا يصف أولياءه بقبيح، ومن علامات الحبّ: المجاهدة في طريق المحبوب بالمال والنفس، ليقرب منه ويبلغ مرضاته ويقطع كل قاطع يقطعه عنه بالمسارعة إلى قربه، كما قال تعالى: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} طه 84 وكما أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم في قوله: وتبتل إليه تبتيلاً فيه معنيان: أحدهما انقطع إليه انقطاعاً عمّا سواه بالإخلاص له والأثرة على غيره، والأخرى: اقطع كل ما قطعك عنه