وفي الخبر: من نكح للّه عزّ وجلّ وأنكح للّه تعالى استحق ولاية اللّه تعالى، وأفضل الأعمال ما دخل فيه للّه عزّ وجلّ وخرج منه للّه ولم يعتوره بعد ذلك علة، وأعلى من هذا من دخل في الأعمال باللّه عزّ وجلّ وثبت فيها مع اللّه وخرج منها باللّه تعالى، وهذا مقام الموحدين من الموقنين والعارفين، فأصح الأعمال وأخلصها ما كان للّه تبارك وتعالى هو الأوّل في أولها، ومع العامل في أوسطها، وللعبد عنده فيها، واللّه تعالى هو الآخرة عند آخرها، ثم لايظهرها بعد ذلك ولايتظاهر بها ولايطالع عوضًا عنها من الكبر الأكبر، بل ينساها ويشتغل بذكر مولاه عنها، والقعود في المساجد من أفضل شأن الدين وفضائل أعمال المتقين، فليكن له فيه عشر نيّات منها زيارة مولاه عزّ وجلّ في بيته، كما روي: من قعد في المسجد فقد زار اللّه تعالى وحق على المزور إكرام زائره، ومنها انتظار الصلاة بعد الصلاة، كما روي في معنى قوله تعالى: ورابطوا وهي المرابطة ومنها كفّ سمعه وبصره وترهبه في تألهه، كما روي: رهبانية أمتي القعود في المساجد، ومنها العكوف وحقيقته عكوف الهمّ على القلب، وعكوف السرّ بالتأله إلى اللّه عزّ وجلّ، ومنها ذكر اللّه تعالى واستماع ذكره والتذكير به، كما روي: من غدا إلى المسجد يذكر اللّه تعالى ويذكر به كان كالمجاهد في سبيل اللّه، ومثل ذلك إذا جلس ليعلم علمًا أو يتعلّمه كان أيضًا كالمجاهد، أو جلس لاستفادة أخ في اللّه عزّ وجلّ أو لتنزل رحمه اللّه أو لترك الذنوب للخشية والحياء، كما روينا في حديث الحسن بن عليّ عليهما السلام: من أدمن الاختلاف إلى المساجد رزقه اللّه تعالى إحدى سبع خصال: أخًا مستفادًا في اللّه تعالى، أو رحمة مستنزلة، أو علمًا مستظرفًا، أو كلمة تدلّه على هدى أو تصرفه عن ردى، أو ترك الذنوب خشية أو حياء منه، فإخلاص النية هو بخروج أضدادها من القلب وعن القصد والهمة وإن كثر أعداده لتنفرد النية بقصدها، ويخلص العمل بانفراد النية لوجه الواحد الفرد المقصود بها، يروى عن بعضهم قال: غزوت في البحرفعرض بعضنا مخلاة فقلت: اشتريها وانتفع بها في غزاتي، فإذا دخلت مدينة كذا بعتها فربحت فيها، فاشتريتها فرأيت تلك الليلة في النوم كأنّ شخصين نزلا من السماء فقال أحدهما لصاحبه: أكتب الغزاة فأملي عليه، أكتب: خرج فلان متنزهًا وفلان مرائيًا وفلان تاجرًا وفلان في سبيل اللّه، ثم نظر إليّ فقال: أكتب: خرج فلان تاجرًا، فقلت: اللّه اللّه فيّ واللّه ما خرجت أتجر ولا معي تجارة أتجر فيها، ما خرجت إلاّ للغزو، فقال لي: يا شيخ قد اشتريت أمس مخلاة تريد أن تربح فيها فبكيت وقلت لا تكتبوني تاجرًا فنظر إلى صاحبه وقال: ما ترى؟ فقال: أكتب: خرج فلان غازيًا إلاّ أنه اشترى في طريقه مخلاة ليربح فيها حتى يحكم اللّه عزّ وجلّ فيه ما يرى.