فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 922

وحدثونا عن بعض الصوفية قال: كنت قائمًا مع أبي عبيد التستري وهو يحرث أرضه بعد العصر من يوم عرفة، فمرّ به بعض إخوانه من الأبدال فساره بشيء، فقال أبو عبيد: لا، فمرّ كالسحاب يمسح الأرض حتى غاب عن عيني، فقلت لأبي عبيد: ما قال لك؟ فقال: سألني أنْ أحج معه فقلت لا، فقال: ألا فعلت؟ قال: ليس لي في الحج نية، وقد نويت أنّ أتمم هذه الأرض العشية فأخاف إن حججت معه لأجله أتعرض لمقت اللّه تعالى لأني أدخل في عمل اللّه تعالى شيئًا غيره فيكون هذا عندي أعظم من سبعين حجة، ومن كان له في مباح نية ولم تكن له نية في فضيلة فالأفضل هو المباح، حينئذ وقد انتقل المعنى فصار المباح هو الفضيلة وصارت الفضيلة هي النقيصة لعدم النية، وهذا لا يعلمه إلاّ العلماء بباطن العلم وهو غوامض التصريف: مثل أن يكون رجل قد ظلم فله أن ينتصر وإن عفا كان أفضل إلاّ أنه له نية في الانتصار وليس له نية في العفو، فالانتصار هو الأفضل، ومثل أن تكون له نية في الأكل والشرب والنوم ليتقوى بها على الطاعة ويريح بها نفسه لوقت آخر وليس له في الصوم ولا في القيام نية، فقد صار الأكل والنوم حينئذ هو الأفضل، وقد كان أبو الدرداء يقول: إني لأستجم نفسي ببعض اللهو ليكون ذلك عونًا لي على الحق، وكل عمل مباح للعبد فيه نية فهو مأجور عليه، وكل عمل فاضل لا نية للعبد فيه فأحسن حاله السلامة منه لا له ولا عليه وربما كان مأزورًا فيه إذا دخلت عليه نية دنيا، وكان عمل مباح أو فضل ليس للعبد فيه نية فهو عقل لا شيء له فيه، ولكنه يسأل عن فراغ وقته، وكل عمل فاضل للعبد فيه نية؛ فالعمل باطل ونيته هوى، وإنما وجد النية فيه القصور واختفاء لشهرته، فإن أراد به وجه اللّه تعالى سلم من عاقبته ولا فضيلة له به، وإن كان قد خفي عليه الهوى أو دق عليه لطيف حبّ الدنيا لجهله بالعلم فهو مأثوم فيه لتقصيره في طلب العلم الذي يعرف به الإخلاص وسكوته على الجهل الذي يدخل منه الانتقاص، ولا عذر له في ذلك، وقد جاء في الخبر: أنّ اللّه تعالى لا يعذر على الجهل ولا يحلّ للجاهل أن يسكت على جهله ولا للعالم أن يسكت عن علمه، وقد قال اللّه سبحانه تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} النحل: 43.

وقد كان سهل رحمه اللّه تعالى سئل: ما عصي اللّه تعالى بمعصية أعظم من الجهل؟ قال: نعم، قيل: ما هو؟ قال: الجهل بالجهل يعني أن يكون العبد جاهلاً وهو لا يعلم أنه جاهل، أو يحسب بجهله أنه عالم، فيسكت عن جهله ويرضى به فلا يتعلم فيضيع فرض الفرائض وأصل الفرائض كلها وهو طلب العلم، ولعله أن يفتي الجهل أو يتكلم بالشبهات وهو يظن أنه علم؛ فهذا أعظم من سكوته، وكذلك أيضاً ما أطيع اللّه تعالى بمثل العلم، ومن العلم العلم بالعلم أي شيء هو؟ وذلك أيضًا واجب من حيث كان العلم واجباً ليكون على بصيرة من تعلّم العلم، لأنه قد دخل مذهب المتكلمين وأقوال الغالطين من الصوفية والقصاص في شبهات العلم، فصار زخرفًا من القول غروواً يشبه العلم وليس بعلم لالتباس المعنى بعضه ببعض ولإشكال دقائق العلوم وغرائبه وخفاء السنّة من طريقة علماء السلف، فاختلط لذلك القصاص والمتكلمون بالعلماء فصار معرفة العلم أي شيء هو والعلم بالعالم من هو علم آخر، وصار العالم بالعلم ما هو دون الزخرف من القول كأنه عالم فكان أيضًا العلم بالمعلم بمنزلة فضل العلم ووجب وجوبه، كما كان الجهل بالجهل أعظم من الجهل، وقد كان سهل رحمه اللّه تعالى يقول: قسوة القلب بالجهل من قسوته بالمعاصي لأن الجهل ظلمة لا ينفع البصر فيه شيئاً ونور العلم يهتدي به القاصد وإن لم يمش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت