فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 922

وفي رواية أخرى قال: وتصدقت يوماً بصدقة بين الناس فأعجبني نظرهم إليّ فوجدته لا علي ولا لي، قال سفيان: وقد رووا هذا ما أحسن حاله حيث وجدها لا له ولا عليه قد أحسن إليه، ومن أوذي أو اغتيب فليحتسب عرضه عند اللّه تعالى، فلعل ذلك يكون سبيًا لنجاته، فقد روي أنّ العبد ليحاسب على أعماله كلها فتبطل بدخول الآفات فيها حتى يستوجب النار، ثم ينشر له أعمال من الحسنات لم يكن عملها فيستوجب به الجنة، فيعجب من ذلك فيقول: يارب هذه أعمال ما عملتها؟ فيقال: هي أعمال الذين اغتابوك وآذوك وظلموك جعلت حسناتهم لك، ولا تحقرن شيئًا من الأعمال وإن قل فتخليه من النية أو تصغره فربما كان هلاكه وعطبه فيه وهو لا يعلم، وقد روي ابن المبارك عن الحسن: أنّ الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول: بيني وبينك اللّه تعالى: فيقول: واللّه ما أعرفك، فيقول: بلى أنت أخذت من حائطي تبنة وأنّ الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول: هذا أخذ من ثوبي زبيرة، ومات حماد بن أبي سليمان وكان أحد علماء أهل الكوفة، فقيل للثوري: ألا تشهد جنازنه؟ فقال: لو كانت لي نية لفعلت، ومات الحسن البصري فلم يحضر ابن سيرين جنازته فسئل عن ذلك فقال: لم يكن لي نية، وقد كان العلماء إذا سئلوا عن عمل شيء أو سعي فيه يقولون: إن رزقنا اللّه نية فعلنا ذلك، وقال يحيى بن كثير: حسن النية في العمل أبلغ من العمل، وقال بعض السلف كانوا يستحبون أن يكون لهم في كل شيء نية، وقال الفضيل بن عياض: لا تتحدّث إلاّ بنية، وكان بعضهم يقول: الخوف على فساد النية وتغيرها أشد من ترك الأعمال، وقال الثوري: من دعا رجلاً إلى طعامه وليس له نية في أن يأكل فإن أجابه فأكل فعليه وزران، وإن لم يجبه فعليه وزر واحد فصيّر عليه وزرين مع أكل طعامه بغير نية، لتعرضه للمقت وحمله أخاه على ما يكره، إذ لو علم لما أجابه، فمن أفهمه اللّه تعالى إخلاص النية وزاده معرفة الإخلاص أخرجه ذلك إلى الهرب من الناس ليخلص له معاملته لأنه ينظر بعين اليقين، وإذا لا ينفعه شيء إلاّ شيء بينه وبين اللّه عزّ وجلّ لا شرك فيه لسواه؛ وهذا المعنى هو الذي أخرج طائفة الأبدال إلى الكهوف تخليًا من أبناء الدنيا لخلاص أعمالهم إلى النظر إليهم، فهم وإن فارقوا فضائل الأعمال من صلاة الجماعة وغيرها فقد تقرر عندهم أنّ اجتناب معصية واحدة خير من عمل سبعين طاعة، فلذلك فارقوا فضول النوافل خشية دخول معصية واحدة عليهم، والجاهل باللّه عزّ وجلّ يعمل في طلب الفضائل ولا يبالي بيسير الذنوب وفيها بعد من اللّه تعالى، وليس ذلك طريق المقربين، وقد تختلف النيات لاختلاف المقاصد فيصير ما كان بعداً قربًا بحسن النية وما كان حسنًا سيئًا لسوء النية به، من ذلك أنّ داود المحبر لما صنف كتاب العمل جاء أحمد بن حنبل فطلبه منه فنظر فيه أحمد صفحًا ثم رده إليه فقال: ما لك؟ فقال فيه أسانيد ضعفاء فقال له داود: أنا لم أخرجه على أسانيد فانظر فيه بعين الخبر، إنما نظرت بعين العمل فانتفعت به، قال أحمد: رّده عليّ حتى أنظر فيه بالعين التي نظرت بها، فردّه عليه فمكث الكتاب عنده طويلاً حتى اقتضاه إياه ابن المحبر، ثم رده عليه وقال: جزاك اللّه خيرًا، قد انتفعت به منفعة بينة، وقال الحسن: النية أبلغ من العمل، وقال: ابن آدم لا يهم بخير الآثار في قلبه منه نوران: فإن كانت الأولى للّه عزّ وجلّ فلا تضرّ هذا الآخرة؛ يعني إن كان عنده الإخلاص في الخير في الهمة الأولى فلا تضرّه الوسوسة التي تخالجه بعد ذلك فإنها ضعيفة لا تحل قوة العقد ولا تحلّ محكم مبرمه، وقال يوسف بن أسباط: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت