{وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ} البلد: 17، ونعتهم الذلة في قوله تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} المائدة: 54، وقال تعالى: {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} الفتح: 29، وهذا كله داخل في الاهتمام به، وهو حقيقة صدقه في الصداقة له كما قال، ولا صديق حميم أي هميم من الاهتمام به، وقد قال عيسى عليه السلام لأصحابه: كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائماً فكشفت الريح عنه ثوبه، قالوا: نستره ونغطيه فقال: بل تكشفون عورته، قالوا: سبحان اللّه من يفعل هذا، فقال: أحدكم يسمع في أخيه بالكلمة فيزيد عليه ويشيعها بأعظم منها، وهذا مخرجه من الحسد الكائن في النفس والغل المستكن في القلب، أنْ يزيد الرجل على الشيء مما يسمع أو يتبعه بمثله، فيظهر هذا غله، وهذا الذي استعاذ منه المؤمنون في قولهم: {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ} الحشر: 10 الآية، وينبغي أنْ لا يخالفه في شيء ولا يعترض عليه في مراد، قال بعض العلماء: إذا قال الأخ لأخيه قم بنا، فقال: إلى أين، فلا تصحبه وقال الآخر: إذا قال: أعطني من مالك، فقال: كم تريد أو ماذا تصنع به لم يقم بحق الإخاء، قال أبو سليمان الداراني: كان لي أخ بالعراق، فكنت أجيئه في النوائب فأقول: أعطني من مالك شيئاً فكان يلقي إليّ كيسه فآخذ منه ما أريد، فجئته ذات يوم فقلت أحتاج إلى شي، فقال: كم تريد فخرج حلاوة أخاه من قلبي، وعن ابن عمر وأبي هريرة: لم يكن أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه.
وروينا عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا، وكونوا عباد اللّه إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يحرمه، ولا يخذله بحسب المرء من الشر أنْ يحقر أخاه المسلم، وفي حديث عليّ عليه السلام عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوّته وحرمت غيبته، وفي حديث أبي أسامة الباهلي: خرج علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ونحن نتمارى فغضب ثم قال: ذروا المراء لقلّة خبره، ذروا المراء فإن نفعه قليل وهو يهيج العداوة بين الإخوان، وقال بعض السلف: من لاص الإخوان وما رآهم، قلت: وذهبت كرامته، وقال عبد اللّه بن الحسن: إياك ومعاداة الرجال، فإنك لن تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم، وقال بعض الحكماء: ظاهر العتاب خير من مكنون الحقد، ولا يزيدك لطف الحقد إلاّ وحشة منه.