فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 922

إنّ الكريم إذا تقضى وده ... يخفي القبيح ويظهر الإحسانا

وترى اللئيم إذا تصرم حبله ... يخفي الجميل ويظهر البهتانا

فوصف الكريم في هذا المعنى التخلق بخلق الربوبية، ألم تسمع إلى الدعاء المأثور عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في أوله: يا من أظهر الجميل وستر القبيح، ولم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر، فكذلك صفات المؤمنين على معاني أخلاق المؤمن الأعلى، وقد كان أبو الدرداء يقول: معاتبة الصديق خير من فقده، ومن لك بأخيك كله هن لأخيك، ولن له ولا تطع الشيطان في أمره، غداً يوافيه الموت فيكفيك فقده، كيف تبكيه بعد الموت وفي الحياة تركت وصله، وقد روينا عن عليّ عليه السلام: أحبب حبيبك هوناً ما عسى أنْ يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أنْ يكون حبيبك يوماً ما، وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه معناه: لا يكن حبك كلفاً وبغضك تلفاً، قال: اسلم، قلت: وكيف ذاك، قال: إذا أحببت فلا تكلف كما يكلف الصبي بالشيء يحبه، وإذا أبغضت فلا تبغض بغضاً تحب أنْ يتلف صاحبك ويهلك، وفي وصية عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه التي رويناها عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر رضي اللّه عنه: عليك بإخوان الصدق تعش في أكمافهم، فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يحبك ما يغلبك منه، واعتزل عدوك واحذر صديقك من القوم إلاّ الأمين، ولا أمين إلاّ من خشي اللّه عزّ وجلّ، ولا تصحب الفاجر فتعلم فجوره، ولا تطلعه على سرك واستشر في أمرك الذين يخشون اللّه تبارك وتعالى، وحدثونا عن إبراهيم بن سعيد قال: حدثنا يحيى بن أكثم قال: حدثت المأمون أمير المؤمنين فقلت له: حدثني سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن أبجر قال: لما حضرت علقمة العطاردي الوفاة دعا بابنه فقال: يا بني، إنْ عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك، وإنْ قعدت بك مؤونة مانك، اصحب من إذا مددت يدك بخير مدّها، وإنْ رأى منك حسنة عدّها، وإنْ رأى منك سيئّة سدّها، اصحب من إذا سألته أعطاك، وإنْ سكت ابتداك، وإنْ نزلت بك نازلة واساك، اصحب من إذا قلت صدق قولك، وإذا حاولت أمراً أمرك، وإنْ تنازعتما آثرك، قال ابن أكثم: فقال المأمون: وأين هذا؟، وقيل للأحنف بن قيس: أي إخوانك أحبّ إليك فقال: من يسد خللي، ويستر زللي، ويقبل عللي، وحدثونا عن الأصمعي قال: حدثنا العلاء بن جرير عن أبيه قال: قال الأحنف: من حقّ الصديق أنْ يحتمل له ثلاث: أنْ يجاوز عن ظلم الغضب وظلم الهفوة وظلم الدالة، وقال: الإخاء جوهرة رقيقة، فهي ما لم توق عليها وتحرسها كانت معرضة للآفات، فارض الإخاء بالذلة حتى تصل إلى فوقه، وبالكظم حتى تعتذر إلى مَنْ ظلمك، وبالرضا حتى لا تستكثر من نفسك الفضل ولا من أخيك التقصير، ويقال: مَنْ لم يظلم نفسه للناس ويتظالم لهم ويتغافل عنهم، لم يسلم منهم، وكان أسماء بن خارجة الفزاري يقول: ما سئمت أحداً قط لأنه إنما يسأمني أحد رجلين: كريم كانت منه زلة وهفوة، فأنا أحق من غفرها وآخذ عليها بالفضل فيها، أو لئيم فلم أكن أجعل عرضي له غرضاً ثم تمثل شعراً:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت