فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 922

وحدثت أنّ امرأة أهدت إلى بشر بن الحارث سلة عنب، فقالت: هذه من صنيعة أبي فردها بشر عليها، فقالت: سبحان اللّه تشك في كرم أبي وفي صحة ملكه وميراثي منه وشهادتك مكتوبة في كتاب الشراء، فقال: صدقت ملك أبيك ولكنك أفسدت الكرم، قالت: بماذا؟ قال: سقيته من نهر طاهر يعني طاهر بن الحسين بن مصعب بن عبد اللهّ بن طاهر صاحب المأمون، وهذا النهر هوالخندق المعترض في الجانب الغربي، لم يكن يشرب من الخندق ولا يمشي على الجسر وقد كان بشر يقول: منذ ثلاثين سنة أشتهي شواء وما أتركه زهدًا فيه ولو صحّ لي درهمه لأكلته، فهذه سيرة المتقدمين وطريق السالفين، من سلكها لحق بهم وكان كأحدهم، ومن خالفها فليس على سنّة السلف، ولا من صالحيّ الخلف وسعة رحمة اللّه الواسعة بمشيئته السابقة، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وقد كان من سيرة القدماء من أهل الورع أنْ لا يستوعب أحدهم كليّة حقّه بل يترك شيئًا خشية أنْ يستوفي الحلال كله، فيقع في الشبهة، فإنه يقال: من استوعب الحلال حام حول الحرام، فكانوايستحبون أنْ يتركوا بينهم وبين الحرام من حقهم حاجزًا من الحلال لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: من يرتع حول الحمى يوشك أنْ يواقعه، ومنهم من كان يترك من حقه شيئًا لغير هذه النية، ولكن لقول اللهّ عزّ وجلّ {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ} النحل: 90 قالوا: فالعدل أنْ تأخذ حقك كله وتعطي الحق، والإحسان أنْ تترك بعض حقك وتبذل فوق ما عليك من الحق لتكون محسنًا، ولأن اللّه تعالى كما أمر بالعدل قد أمر بالإحسان لقوله: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} البقرة: 18، - 236، وهذه الطريقة قد جهلت من عمل بها فقد أظهرها، حدثونا عن بعضهم قال: أتيت بعض الورعين بدين له عليّ وكان خمسين درهمًا، قال: ففتح يده فعددت فيها إلى تسع وأربعين درهمًا فقبض يده، فقلت: هذا درهم قد بقي لك من حقك، قال: قد تركته لك إني أكره أنْ أستوعب مالي كله، فأقع بما ليس لي، قد كان عبد اللهّ بن المبارك وغيره يقول: من اتّقى من تسعة وتسعين شيئًا ولم يتّقِ من شيء واحد لم يكن من المتّقين، ومن تاب من تسعة وتسعين ذنبًا ولم يتب من ذنب واحد لم يكن من التوّابين، ومن زهد في تسعة وتسعين شيئًا ولم يزهد في شيء واحد فليس من الزاهدين، وقد روى عطية السعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون الرجل من المتّقين حتى يترك ما لا بأس به حذارًا مما به البأس، وروينا عن أبي الدرداء: إنما التقوى أن يتقي اللهّ العبد في مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أنْ يكون حرامًا، يكون حجابًا بينه وبين الحرام، وبمعنى هذا ما روي عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه قال: كنا نترك سبعين بابًا من الحلال مخافة باب واحد من الحرام، وهذا طريق قد مات أهله، فمن سلكه فقد أحياهم فأما أموال التجار والصناع والمتصرفين في المعايش المباحة بالأسباب الجائزة في العلم، مع موافقة الكتاب والسنّة فهي شبهات، ثم تتنوع بنوعين: فتكون شبهة حلال إذا عاملت المتّقين وأخذت من الورعين، وتكون شبهة حرام إذا عاملت قليلي التقوى والورع، وأما غير ذلك من أموال الجند فإنه حرام لفساد سببه ولمخالفة الأحكام، فما كان عن معاملة لهم وكسب ولم تعلم شيئًا بعينه غصبًا ولا جناية فهو أسهل، وما علمته فهو نص الحرام، فاللّه اللّه في نفسك انظر أيها المسكين لمعادك واحفظ لدينك، فإنّ كسبك من دينك وطمعتك من إيمانك، فإن تهاونت بذلك فقد تهاونت بالدين، ونبذت الأحكام وضيعت اليوم نفسك ولم تنظر فيما قدمت لغد ونعوذ باللّه من سوء القضاء، ويقال إنّ العدو إذا ظفر من العبد بسوء الطعمة لم يعترض عليه في الأعمال، وقال: قد ظفرت منك بحاجتي، اعمل الآن ما شئت ولم يعد عليه من أعماله إلاّ ظلمة في قلبه، وقسوة وضعفًا في عزيمة، وفتورًا ومعصية وحرم التوفيق والعصمة، ولم يورث علم المكتوب والحكمة، فإن كان المتصرف في السوف على الوصف المكروه، مخالفًا للعلم في تصرفه مفارقًا للأحكام لايبالي من أي وجه ظهر وبأي سبب عليه قدر، غير متّقٍ في كسبه ولا مرعٍ لدين اللّه عزّ وجلّ فيه وحكمه، فهوآكل للمال بالباطل قاتل لنفسه مفسد لدينه غاشٍ للمسلمين، واللّه لا يصلح عمل المفسدين كما لايضيع أجر المصلحين، ومع ذلك فهو غير ناصح للّه عزّ وجلّ ولخلقه في الدين، مقامه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت