فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 922

وقال بعض العارفين ما تواخى اثنان في اللّه عزّ وجلّ فاحتشم أحدهما من صاحبه أو استوحش منه إلاّ من علّة في أحدهما، فلا يستحبّ للفقير أن يأخذ إلاّ من صديق، ولا يقبل إلاّ ممن يحبّ لأن لأهل المعرفة باللّه عزّ وجلّ أن يحكموا في الأسباب بما أراهم اللّه تعالى من الردّ أو من القبول، فإن اعتلّ معتلّ بما رويناه آنفًا من جاءه شيء من غير مسألة فردّه فإنما يردّه على اللّه تعالى، وبأن أهل المعرفة يشهدون أن العطاء من اللّه سبحانه وتعالى فلا يصلح أن يردوا عليه، قيل له: إنّ من يشهد العطاء من اللّه تعالى هو الذي يشهد الردّ أيضًا منه، فإن يردّ إليه له أو ردّ إليه به لمعرفته باختباره وابتلاء حسن الردّ منه وشكر الفعل له، فهو أيضًا إذا شهد تصريف الخلق بالعطاء فعل اللّه عزّ وجلّ، كان يشهد فعل نفسه بالردّ، فعل اللّه تبارك وتعالى بالمنح؛ فالحالان سواء عند من علم الأحكام، ولم يتّبع الهوى، وقام بحكم ما منه يقتضي، فليس في هذا حجة إلاّ لعالم مستكثر، أو لعابد جاهل غير مستبصر، على أنّ في القبول من بعض الناس دون بعض، وفي ردّ بعض الهدية سنّة، أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمن وإقط وكبش فقبل السمن والإقط وردّ الكبش، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل من بعض الناس ويردّ على بعض، وقال: لقد هممت مرارًا أن لا أتهب إلاّ من قرشي أو ثقفي أو دوسي وفعل هذا جماعة من التابعين.

جاءت صرّة إلى فتح الموصلي فيها خمسون درهمًا فقال: حدثنا عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أتاه رزق من غير مسألة فردّه، فإنما يردّه على اللّه عزّ وجلّ، ثم فتح الصرّة فأخذ منها درهمًا وردّ سائرها، وقد كان الحسن البصري يروي هذا الحديث أيضًا، ثم حدثنا عنه أنّ رجلًا أهدى إليه كيسًا فيه مال ورزمة فيها من دق خراسان، فردّ ذلك، فقال له بعض أصحابه في ذلك فقال: من جلس مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقي اللّه عزّ وجلّ يوم القيامة، وليس له عند اللّه عزّ وجلّ خلاق، وقد كان الحسن يقبل من أصحابه، وكان إبراهيم التيمي يسأل أصحابه الدرهم ونحوه، ويعرض عليه غيرهم المائتين فلا يأخذ، وقد كان بشر بن الحارث لا يقبل من الناس شيئًا، وكان بعضهم يقول: أحبّ أن أعلم من أين يأكل؟ فقال له: من يخبر أمره؟ أنا أدري من أين يأكل، له صديق عاقل يعني نظيره في العقل والدين، لأنّ بعضهم كان لا يقبل إلاّ من نظرائه، لا من الأتباع، وهذا الصديق العاقل الذي كان يقوم بكفايته، ولم يكن يظهر أمره، ولا يلتقي معه؛ هو سري بن المغلس السقطي، لأنّا حدثنا عن بشر أنه قال: ما سألت أحد قط شيئًا من الدنيا إلاّ سريًّا السقطي، لأنه قد صحّ عندي زهده في الدنيا، فهو يفرح بخروج الشيء من يده، ويتبرم ببقائه عنده، فأكون أعينه على ما يحبّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت