وقال بعض العلماء: من أعطى ولم يأخذ سأل ولم يعط، وهذا من النوع الذي قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ما المعطي من سعة بأعظم أجرًا من الآخذ إذا كان محتاجًا، فأخذ هذا مشاركة لمعطيه في الأجر من حيث استويا على المعاونة في التقوى والبرّ المأمور بهما، ولا يضرّ هذا العطاء آخذه، وقد كان سري السقطي يوصل إلى أحمد ابن حنبل شيئًا فيرده فقال له سري: يا أحمد إحذر آفة الردّ فإنها أشدّ من آفة الأخذ، فقال له أحمد: أعد علي ما قلت فأعاده، فقال أحمد: ما رددت عليك إلاّ لأن عندي قوت شهر فأحبسه لي عندك، فإذا كان بعد شهر فأنفذه إلىّ، والرابع من العطاء هو المعونة؛ وهذا يكون مخصوصًا لأهله هو أن يكون في خلق هذا الفقير البذل والإفضال وفي غريزته السخاء والاتساع من إطعام الطعام وإيثار الفقراء، فلا يتسع لذلك حاله وتضيق عنه يده فيبعث اللّه إليه بالعطاء معونة له على أخلاقه ليبلغه به مراده، وينفذ له من المعروف والبرّ عادته، ويعينه على خلقه ومروءته؛ فهذا النوع من العطاء هو الاختبار عند العارفين والأفضل أخذه وإمضاؤه في سبله من المروءات والأخلاق؛ وهذا كان طريقة كثير من السلف، وقد غلط في هذا الطريق قوم لم يكن لهم زهد وقد كانت فيهم رغبة وهمم دنيئة، فاقتنعوا في قبول هذا العطاء لنفوسهم وتملكوه واستأثروا به وزعموا أنّ هذا هو الاختبار، فخالفوا السلف في معرفة الابتلاء من الاختبار لأن هذا عند العارفين، إذا لم ينفذ ويؤثر به ابتلاء ووافقوا أهواءهم في التوسع منه والتكثر به، وتملكوه بالدعوى فأخطؤوا في العلم لإحالة المعنى وغلطوا في طريق الحال لوجود الهوى، وقد كان بعض القاعدين من الصادقين يدان على اللّه لحسن ظنه به، فإذا رزقه قضاه، فإن مات هذا على هذه النية فلا تبعة عليه فيه في دينه، على مولاه قضاؤه، وأن يرضى عنه غرماءه، وقد كان فيما سلف يقضي دين مثل هذا من بيت مال المسلمين، وكان آخرون لا يقترضون حتى يبيع أحدهم أحد ثوبيه أو فضل ما يحتاج إليه؛ وهذا أحد الوجوه في قوله تعالى: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ اللَّهُ} الطلاق: 7، قال: من ضيقّ عليه معاشه فليبع أحد ثوبيه، وقد قيل: فليستقرض بجاهه فذلك آتاه اللّه عزّ وجلّ.
وقال بعضهم: للّه عباد ينفقون على قدر بضائعهم، وله عباد ينفقون على قدر حسن الظن به، ومات بعض السلف فأوصى بماله أن يفرّق على ثلاث طوائف: الأقوياء والأسخياء والأغنياء فقيل: من هؤلاء؟ قال: أما الأقوياء فهم أهل التوكل على اللّه، وأما الأسخياء فهم أهل حسن الظن باللّه، وأما الأغنياء فهم أهل الانقطاع إلى الله، وينبغي لمن لامعلوم له من الأسباب أن يتورع في أخذها ويتحرّى المعطين لها، كما يتحرى أهل المكاسب في الاكتساب؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى له في كل شيء حكم، والقعود عن المكاسب لا يسقط أحكامها، والقاعد عن الطلب لا تسقط عنه أحكام الطالب، لأنّ ترك العمل عمل يحتاج إلى عمل، ولم تكن سيرة الفقراء الصالحين أن يأخذوا من كل أحد، ولا في كل وقت، ولا يأخذون كلما يعطون مما زاد على كفايتهم إلاّ أنْ يكونوا ممن يخرجه إلى غيرهم، وإنما كانوا يقبلون ممن يخف على قلوبهم القبول منه وممن يرتفع الوحشة والحشمة فيما بينهم وبينه؛ لأنّ ذلك هو الذي يفرح بقولك ويرى نعمة اللّه تعالى عليه في أخذك ومن يثقل على قلبك معروفه فهو الذي يثقل على قلبه إخراج ما في يده ولا يغتم بردك عليه.