فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 922

وحدثني بعض العلماء قال: ذكرت لبعض الفلاسفة من أطباء أهل الكتاب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ثلث طعام، وثلث شراب، وثلث نفس، فتعجب منه واستحسنه وقال: ما سمعت كلامًا في قلّة الأكل أحكم من هذا وإنه لكلام حكيم، ثم قال: جهدت الأطباء من الفلاسفة أن يقولوا مثل هذا في التقلل من الأكل فلم يهتدوا إليه فأكثر ما قالوا: لا تقعد على طعامك حتى تشتهيه وترفع يدك عنه وأنت تشتهيه، ومنهم من قال: لا يأكل إلاّ بعد الجوع ويرفع قبل الشبع، ومنهم من قال: لا يأكل إلاّ بعد الجوع المفرط ولا يشبع شديدًا، وإنما كان مراده هذا الذي ذكره نبيّكم، وقد كان بعض علمائنا يقول: من أكل خبز الحنطة بحتًا بأدب لم يعتلّ إلاّ علّة الموت، قيل له: وما الأدب قال: يأكل بعد الجوع، ويرفع قبل الشبع، والأصل في هذا أنّ العلل داخلة على الأجسام من اختلاف نبات الأرض، لأن المعدة مركبة على طبائع أربع: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، وكذلك منابت الأرض على هذه الطبائع فإذا أكثر من اختلاف منابتها أمالت الحرارة والبرودة من النبات غرائز الطبائع من الحرارة والبرودة من المعدة، وأمالت الرطوبة واليبوسة من النبات غرائز الطبائع من الرطوبة واليبوسة، فزاد بعض على بعض وقوي وصف على مثله فكانت الأمراض من مثل ذلك، لأن كل مأكول من نبات الأكل يعمل في وصف من معاني الجسم، وأنّ الحنطة مخالفة لسائر نبات الأرض المعتدلة في الطبائع الأربع كاعتدال الماء في سائر الأشربة، وقد شبّهوا لحم الدراج في خفته وقلة دهنه من سائر اللحوم بطبع الحنطة في سائر الحبوب.

وقال بعض الأطباء: كل من الخبز بحتًا ما شئت، فإن لا يضرّك، وقال غيره: أكل الخبز وحده خير من الأدم المردي، وقال بعضهم: لم يدخل الإنسان إلى معدته أنفع من الرمان، ولا أضرّ من المالح، ولأن يتقلل من المالح خير له من أن يستكثر من الرمان، وقد مثل الأترج من سائر الفاكهة على سائر المعدة في الطبائع الأربع، وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن بالأترجة طعمها طيب وريحها طيب؛ فهذه لطيفة من اللطيف، وحكمة من الحكيم تعالى، إذا أراد صحة جسم عبد أوحى إلى المعدة أن يأخذ كل طبع منها ضده من نبات الأرض الذي وقع في المعدة، فيأخذ طبع الحرارة طبع البرودة، ويأخذ طبع الرطوبة طبع اليبوسة من المأكول، فتعتدل الطبائع، فاستوى المزاج فيكون ذلك سببًا لصحة الجسم من علله، فإذا أراد أسقام جسم أمر كل طبيعة أن تأخذ جنسها ومثلها من المأكولات من نبات الأرض مثله، فتضرب المزاجات، ثم يدور ذلك في الجسد بمجاري العروق ومصباته إلى الأعضاء المتفاوتة الأدوات، فتقع كل أداة في عضو ضدها فتثقل بها، ويغشي كل آلة من جارحة ما لا يلائمها من طبعها فيسقم الجسم وتتفاوت العلل، فيكون هذا سبب الأمراض والعوارض، نعوذ باللّه ذلك تقدير العزيز العليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت