قيل: لا ، بل لما حذفت الثانية وقد كانت الأولى ساكنة ؛ لأنها كانت مدغمة فِي الثانية أُقرت على سكونها ؛ ليكون دليلًا على أنها قد كانت مدغمة قبل الحذف ، ولذلك نظائر منها قوله:
وكحَل العينين بالعواوِر1
صحح الواو الثانية وإن كانت تلي الطرف ، وقبل الألف التي قبلها واو ؛ لأنه جعل الصحة فِي الواو دليلًا على أنه أراد العواوير ، ولو لم يرد لذلك لوجب أنه يهمز فيقول: العوائر ، كما همزوا فِي أوائل وأصلها أواول ، وكما جعلوا صحة العين فِي حَوِلَ وعَوِرَ دليلًا على كون المثال فِي معنى ما لا بد من صحته ، وهو احولَّ واعورَّ ، وكما جعلوا ترك رد النون فِي قوله:
ارهن بنيك عنهم أرهن بني2
دليلًا على أنه أراد بنيّ ، فلما حذف الياء الثانية التي هي ضمير المتكلم لم يرجع النون من بنين ؛ لأنه جعله دليلًا على إرادة الياء فِي بَنيّ ، وأنه إنما حذفها للقافية ، وهي فِي نفسه مرادة. وكما قال:
مال إلى أرطاة حِقف فاضطجع3
ثم أبدل الضاد لامًا فقال: الطجع ، وقد كان يجب إذا زالت الضاد أن ترجع تاء افتعل إلى اللفظ ، وذلك"27و"أن أصله اضتجع افتعل من الضجعة ، فيظهر التاء كما يقال: التجأ إليه والتفت والتقم ؛ لكنه ترك الطاء بحالها تنبيهًا على أنه يريد الضاد ، وأنه لما أبدلها لامًا اعتدها مع ذلك اعتداد الثابت.
ولذلك نظائر كثيرة ، فكذلك ترك الراء من"تُضَارْ"ساكنة كما كانت تكون ساكنة لو خرجت على الإدغام المراد فيها. نعم ، وإذا كان نافع قد قرأ:"ومَحْيايْ ومماتي"4 ساكن الياء من"محيايْ"، ولا تقدير إدغام هناك كان سكون الراء من"لا تضارْ"- وهو يريد تضارّ - أجدر.
وبعد هذا كله ففيه ضعف ، ألا ترى أنك لو رخمت قاصًّا - اسم رجل - على قولك: يا حارِ ؛ لقلت: يا قاصِ ، فرددت عين الفعل إلى الكسر لأنه فاعل ، وأصله قاصِص ، فمن هنا ضعفت هذه القراءة وإن كان فيها من الاعتذار والاعتلال ما قدمنا ذكره.
1 انظر الصفحة 107 من هذا الجزء .
2 انظر الصفحة 108 من هذا الجزء.
3 انظر الصفحة 107 من هذا الجزء.
4 سورة الأنعام: 162.