قال: معناه بل أنت فِي العين أملح ، وكذلك قال فِي قوله الله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} 1 قال: معناه بل يزيدون ، وإن كان مذهبنا نحن فِي هذا غير هذا ؛ فإن هذا طريق مذهوب فيه على هذا الوجه.
وقراءته هنا:"عَهِدُوا عَهْدًا"كأنه أشبه بجريان المصدر على فعله ؛ لأن عهِدت عهدًا أشبه فِي العادة من عاهدت عهدًا ، ومن ذلك الحديث المأثور:"مَن وعد وعدًا فكأنما عَهِدَ عهدًا"، وقراءة الكافة:"عاهَدُ واعَهْدا"على معنى أعطَوا عهدًا ، فعهدًا على مذهب الجماعة كأنه مفعول به.
وعلى قراءة أبي السمال هو منصوب نصب المصدر ، وقد يجوز أن ينتصب على قراءة الكافة على المصدر ؛ إلا أنه مصدر محذوف الزيادة ؛ أي: معاهدة أو عِهاداً ؛ كقاتلت مقاتلة وقتالًا ، إلا أنه جاء على حذف الزيادة كقوله:
عمرَكِ الله ساعةً حدِّثِينَا ودَعِينَا من قولِ مَن يؤذينا2
إنما هو: عمَّرتُكِ الله تعميرًا - دعاء لها - فحذفت زيادة التاء والياء ، وعليه: جاء زيد وحده ؛ أي: أُوحِدَ بهذه الحال إيحادًا ، ومررت به وحده ؛ أي: أَوحدته بمروري إيحادًا.
وقد يمكن أن يكون وحده مصدر هو يَحِد وحدًا فهو واحد ، والمصدر على حذف زيادته كثير جدًّا ، إلا أنه ليس منه قولهم: سلمت عليه سلامًا وإن كان فِي معنى تسليمًا ؛ من قِبَل أنه لو أريد مجيئه على حذف الزيادة لما أُقِرَّ عليه شيء من الزيادة ، وفيه ألف سلام زائدة ، ومثله: كملته كلامًا ، والسلام والكلام ليسا على حذف الزيادة ؛ لكنهما اسمان على فَعال بمعنى المصدر ، فاعرف ذلك.
ومن ذلك قراءة الحسن وابن عباس والضحاك بن مزاحم3 وعبد الرحمن بن أَبزَى4:"وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ"5بكسر اللام.
قيل: أراد"بالملِكين"داود وسليمان عليهما السلام.
قال أبو الفتح: إن قيل: كيف أطلق الله سبحانه على داود وسليمان اسم الملِك ؛ وإنما هما عبدان له تعالى كسائر عبيده من الأنبياء وغيرهم؟
1 سورة الصافات: 147.
2 أورده اللسان فِي"عمر"غير منسوب.
3 هو الضحاك بن مزاحم أبو القاسم ، ويقال: أبو محمد الهلالي ، تابعي ، وردت عنه الرواية فِي حروف القرآن ، سمع سعيد بن جبير وأخذ عنه التفسير ، توفي سنة 105. طبقات القراء لابن الجزري: 1/ 337.
4 هو عبد الرحمن بن أبزى الكوفي مولى خزاعة ، روى عن عمر بن الخطاب وأُبي بن كعب رضي الله عنهما. طبقات ابن الجزري: 1/ 361.
5 سورة البقرة: 102.