فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17460 من 466147

أي: بالخير. وإن شئت قلت: حمله على المعنى فأضمر له ما ينصبه ، وذلك أن قولك: خدعتُ زيدًا عن نفسه ، يدخله معنى: انتقصتُه نفسَه ، وملكتُ عليه نفسَه ، وهذا من أَسَدِّ وأَدمث مذاهب العربية ، وذلك أنه موضع يملك فيه المعنى عِنَان الكلام فيأخذه إليه ، ويصرِّفه بحسب ما يؤثره عليه.

وجملته: أنه متى كان فعل من الأفعال فِي معنى فعل آخر ، فكثيرًا ما يُجْرَى أحدهما مجرى صاحبه ، فيُعْدَلُ فِي الاستعمال به إليه ، ويُحتذى فِي تصرفه حذو صاحبه ، وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضد مأخذه ، ألا ترى إلى قوله الله جل اسمه: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} ؟1 وأنت إنما تقول: هل لك فِي كذا؟ لكنه لما دخله معنى: أَجْذِبك إلى كذا وأدعوك إليه ، قال: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} ؟ وعليه قول الفرزدق:

كيف تراني قاليا مِجَنِّي قد قتل الله زياداً عني2

فاستعمل"عن"هاهنا لما دخله من معنى قد صرفه الله عني ؛ لأنه إذا قتله فقد صُرف عنه.

وعليه قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} 3 ، وأنت لا تقول: رفثتُ إلى المرأة ، وإنما تقول: رفثت بها ومعها ، لما كان الرفث بمعنى الإفضاء عُدي بإلى كما يُعدَّى أفضيت بإلى ، نحو قولك: أفضيت إلى المرأة ، وهو باب واسع ومنقاد ، وقد تقصيناه فِي كتابنا"الخصائص"4 ، فكذلك قوله عز وجل:"وَمَا يُخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ"جاء على خَدعْتُه نفسَه ، لما كان معناه معنى: انتقصتُه نفسَه ، أو تخوَّنتُه نفسَه.

ورأيتُ أبا علي - رحمه الله - يذهب إلى استحسان مذهب الكسائي فِي قوله"8و":

إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشَيْر لعمر الله أعجنبي رضاها5

1 سورة النازعات: 18.

2 يُروى:

كيف تراني قاليًا مجني أضرب أمري ظهره للبطن

قد قتل الله زيادًا عني

وكان الفرزدق هرب من البصرة إلى المدينة واختفى فيها ؛ خوفًا من زياد بن أبيه لغضبة غضبها عليه ، فلما بلغة موت زياد وهو فِي المدينة ظهر وأنشد هذا الرجز ؛ إظهارًا للشماتة به ، وفرحًا بالسلامة منه ، وا لمجن: الترس ، وقلاه كناية عن عدم الحاجة إليه. انظر: ديوان الفرزدق: 2/ 881 ، والخصائص: 2/ 310.

3 سورة البقرة: 187.

4 انظر: الخصائص: 2/ 308 وما بعدها.

5 البيت للقحيف العقيلي ، يمدح حكيم بن المسيب القشيري. الخصائص: 2/ 331 ، والنوادر: 176 ، والخزانة: 4/ 247 ، ومختصر شرح شواهد العيني: 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت