وتومئ هذه الآية إلى تحذير من يكتم الشهادة ولم يؤد ما ائتمن عليه ، وان المراد بإثم القلب مسخه والعياذ باللّه ، ومن هنا قيل: ما أوعد اللّه على شيء كإبعاده على كتم الشهادة ، فانظر رحمك اللّه ما أعجب نظم هذه الآيات فِي تنظيم الإدارة الإنسانية ، لأن عدم المضارة المذكورة من الطرفين والكاتب والشهود جزء من أجزاء الإدارة اللازمة للبشر ، ومع هذا فإن اللّه جل جلاله قد بالغ فِي التأكيد على القيام بها بالعدل والتشديد على من يخرم شيئا منها ، وقد كرر لفظ التقوى فيها لأنها تقي الإنسان من الوقوع فيما لا يرضي اللّه ، لأنه قد يفرط فِي أمور يظنها من التقوى وليست منها ، وقد يتسامح فِي أمور يظنها من التقوى وليست منها أيضا ، بل قد تؤدي لما يحذر منه كمن يعطي ماله لسفيه أو يدين غيره بلا سند ولا شهود مع القدرة عليها ، إذ ليس من الدين تفريط المرء فِي حفظ ماله إذ يعرضه لضياعه ومن ترك أمرا من أمور الدين أحوجه اللّه إليه ، ولهذا أوجب الشارع الحجر
على الإنسان فِي الأحوال المارة الذكر فِي الآية السابقة ، لأن الدين يأمر باتخاذ الوسائل لصيانة المال كما يأمره باتخاذها لصيانة النفس ، ولهذا وضع اللّه تعالى أسسا للتعامل لانتظام معاملة الناس فالتوثق بها خير ضمان لمصلحة العامة.