تنبه هذه الآية إلى أن ما يحصل فِي قلب المنفق من خوف الفقر هو من الشيطان فينبغي أن لا يلتفت إليه لأنه من جملة مكايده ، وأن ما يقع فِي قلبه من رجاء توسعة الرزق بسبب النفقة هو من اللّه فليثق به فإنه لا بد أن يزيده من فضله ، وتشير إلى أن الشيطان يغري البشر على البخل لئلا ينفق واللّه جل جلاله يغريكم على الكرم مع وعد الخلف ، فعلى العاقل أن يكون حكيما فيميل إلى ما به النفع الدائم لأن اللّه تعالى"يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ"من عباده ممن هو أهل لأن يتبصر بها لأنها لا تكون بالكسب ولا بالجهد ولا بالتعليم بل هي من اللّه الذي يبصر عبده بطرق الخير ويهديه لسلوكها ، ويعرفه طرق الشر ويصرفه عنها ، وهذا هو معنى الحكمة وهي أعظم ما يؤتى العبد بعد الإيمان"وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ"الحقيقة التي هي النبوة"فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً"لأنها ملاك خير الدنيا والآخرة"وَما يَذَّكَّرُ"بمواعظ اللّه وعبره وأمثاله"إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (269) "لأنهم هم المنتفعون بها العالمون بما ينتج عنها.
قالوا إن الحكمة بمطلق معناها لا التي بمعنى النبوة بنيت على ثلاث: أيدي الصين وأدمغة اليونان وألسنة العرب.
واعلم أن هذه الآية تشير إلى
أن من عرف حبائل الشيطان ولم يركن إليها وأيقن بوعد اللّه فهو من أهل الحكمة الجامعة كل خير المتيقن فِي قلوبهم صدق كل ما سمعوه عن اللّه ورسوله ، قال تعالى (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) الآية 38 من سورة ق فِي ج 1 ، لأن القلب ملك الجوارح إذا صلح صلحت وإذا فسد فسدت.