والأوضاع الشخصية فإنها حادثة قطعا ضرورة أن كل حركة شخصية مسبوقة بأخرى لا إلى نهاية وكذا الأوضاع التابعة لها وأما مطلق الحركة والوضع فقديم لأن مذهبهم أن الأفلاك متحركة حركة مستمرة من الأزل إلى الأبد فلا سكون أصلا. وأما العنصريات فقديمة بموادها وبصورها الجسمية بنوعها وذلك لأن المادة لا تخلو عن الصورة الجسمية التي هي طبيعة واحدة نوعية لا تختلف إلا بأمور خارجة عن حقيقتها فيكون نوعها مستمر الوجود بتعاقب أفرادها أزلا وأبدا وبصورها النوعية وبجنسها وذلك لأن مادتها لا يجوز خلوها عن صورها النوعية بأسرها بل لا بد أن تكون معها واحدة منها لكن هذه الصورة متشاركة في جنسها دون ماهيتها النوعية فيكون جنسها مستمر الوجود بتعاقب أنواعه لكن صور المشخصية في الصور الجسمية والنوعية والأعراض المختصة المعينة محدثة ولا امتناع في حدوث بعض الصور النوعية. اه. مواقف وقد كفروا بتلك العقيدة فقوله: ولا امتناع في حدوث بعض الصور النوعية أي كما يقال إن نوع الفأر حادث مستمر الوجود بتعاقب أفراده الشخصية إذ يجوز حصوله من عنصر آخر بطريق الكون والفساد ولا امتناع أيضا عندهم في استمراره كذلك ولا في استمرار أنواع المركبات في ضمن أفراده المتعاقبة بلا نهاية وذهب من قبل أرسطو إلى قدم ذواتها دون صفاتها وتوقف جالينوس وتفاصيل مذاهبهم في كتب الكلام ولا داعي إلى ذكره هنا مع كون القصد الاختصار بقدر الإمكان. قوله: (وبعضهم) أي الأصوليين أو العلماء. قوله: (هذا الجهل) أي المعترف بما تقدم. قوله: (بالمركب) وإنما سمي مركبا لأن صاحبه يعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه فهذا جهل بذلك الشيء ويعتقد على ما هو عليه فهذا جهل آخر تركبا معا وما أحسن قول بعضهم فيه:
جهلت وما تدري بأنك جاهل ... ومن لي بأن تدري بأنك لا تدري
وقول بعضهم:
قال حمار الحكيم توما ... لو أنصف الدهر لكنت أركب
لأنني جاهل بسيط ... وصاحبي جاهل مرکب
قوله: (عدم العلم بالشيء) أي عما من شأنه أن يكون عالما فلا يرد عليه أن يقتضي اتصاف الحمار بالجهل لأنه ليس شأنه العلم ويقرب منه السهو وكأنه جهل بسيط لأن سببه عدم استتبات التصور فإذا نبه انتبه وكذا الغفلة لأن سببها عدم التصور مع وجود ما يقتضيه
صفحة 49