الدليل مصادرة لأن عدم اختصاصه بالزمن الأول أو الثاني هو محل النزاع لأن القائل بالفورية يقول الغرض منه إيجاد الفعل ويختص بالزمن الأول والقائل بالتراخي يقول الغرض إيجاد الفعل ويختص بالزمن الثاني فالأولى في الدليل أن يقول إن الفور أمر زائد ثبوتي فيحتاج إلى قرينة بخلاف عدم اقتضاء الفور فإنه عدمي لا يحتاج إلى قرينة وما لا يحتاج هو الأصل وأيضا يدل على عدم الفورية أنه يصح أن يقال افعل الساعة أو بعد الساعة أو بعد اليوم فلو كان الأمر المطلق للفور لكان الأول تكرار والثاني والثالث تناقضا.
واعلم أن ظاهر كلام الشارح أنه حمل کلام المصنف على ما رجحه غيره من أنه كما لا يقتضي الفور لا يقتضي التراخي أي لا يدل على واحد منهما بل على مجرد طلب الفعل من غير تقييد بواحد منهما، قال المصنف رحمه الله تعالى في البرهان وهذا ما ينسب إلى الشافعي وأصحابه رضي الله عنهم. وقال في المحصول: إنه الحق واختاره الآمدي والبيضاوي وابن الحاجب وصححه في جمع الجوامع لأنه لم يكن في كلامه ما يعين أحدهما بعينه لاحتماله القول باقتضائه التراخي كما يحتمل القول باقتضائه الفور لعدم المرجح لأحدهما فيحمل على الإطلاق.
قوله: (دون) ظرف متعلق بمحذوف حال من الإيجاد أي حال كون ذلك الإيجاد متلبسا من غير اختصاص بالزمن الأول دون الزمن الثاني بأن انتفى الاختصاص مطلقًا لا بالزمن الأول ولا بالثاني.
قوله: (وقيل يقتضي الفور) وجرى عليه بعض أصحاب الشافعي والكرخي من الحنفية مستدلين بقوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: الآية ] حيث ذم إبليس على ترك السجود في الحال مع كون الأمر مطلقا فلو لم يكن للفور لما توجه إليه الذم. وأجيب بأنا لا نسلم أن الفور مستفاد من الأمر بل من ظهور دليل على عصيانه وهو مخالفته للجمهور الممتثلين للأمر المتناول له ولهم أو يقال إن ذلك أمر مقيد بوقت معين ولم يوجد فيه وقيل يقتضي التراخي وفيه نظر لأنه يقتضي أنه لو فرض الامتثال على الفور لم يعتد به وليس هذا معتقد أحد كما قال المصنف في البرهان ثم الخلاف في الأمر المطلق أما المقيد بوقت مضيق أو موسع أو بفور أو تراخ فالحكم فيه بحسب ما قيد به. قال أبو إسحق الشيرازي في شرح اللمع: إذا ورد الأمر مطلقا وجب اعتقاد وجوبه والعزم على فعله على الفور وأما الفعل فيبنى على المسألة الماضية. فإن قلنا يقتضي
ص 104