ومن قبلنا كان الحقُّ يغلبُ فيهم حتى لا تقومَ به طائفةٌ ظاهرةٌ منصورةٌ ،ولهذا كان العدوُّ يُسلَّطُ عليهم فيجتاحُهم ،كما سُلِّطَ على بني إسرائيلَ ، وخُرِّبَ بيتُ المقدسِ مرتينِ، فلم يبقَ لهمْ ملكٌ ،ونحنُ ولله الحمدُ لم يزلْ لأمتِنا سيفٌ منصورٌ يقاتلونَ على الحقِّ فيكونونَ على الهدى ودينِ الحقِّ الذي بعثَ اللهُ به الرسولُ صلى الله عليه وسلم ، فلهذا لم نزلْ ولا نزالُ ( على الحقِّ) .
وأبعدُ الناسِ عن هذه الطائفةِ المهديَّةِ المنصورةِ همُ الرافضةُ ؛ لأنهُم أجهلُ وأظلمُ طوائفَ أهلِ الأهواءِ المنتسبينَ إلى القبلةِ، وخيارُ هذهِ الأمةِ همُ الصحابةُ ،فلم يكنْ في الأمةِ أعظمُ اجتماعًا على الهدى ودينِ الحقِّ ، ولا أبعدُ عن التفرقِ والاختلافِ منهم، وكلُّ ما يُذكرُ عنهم مما فيه نقصٌ، فهذا إذا قيسَ إلى ما يوجدُ في غيرهِم منَ الأمةِ كانَ قليلًا منْ كثيرٍ ، وإذا قيسَ ما يوجدُ في الأمةِ إلى ما يوجدُ في سائر الأممِ كانَ قليلًا منْ كثيرٍ، وإنَّما يغلطُ مَن يغلطُ أنهُ ينظرُ إلى السَّوادِ القليلِ في الثوبِ الأبيضِ ، ولا ينظرُ إلى الثوبِ الأسودِ الذي فيه بياضٌ، وهذا منَ الجهلِ والظلمِ، بل يوزنُ هؤلاءِ بنظرائهِم فيظهرُ الفضلُ والرجحانُ (1)
(1) - نظرة إلى الجيل الفريد للعلامة محمد قطب حفظه الله
ذلك الجيل الذي قال عنه النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « خَيْرُكُمْ قَرْنِى ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ » أخرجه البخاري (2651)
والذي استحق استحقاقا كاملًا وصف الله سبحانه: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل 3/110] .
إنه الجيل الذي فيه اللقاء بين المثال والواقع, فترجم مثاليات الإسلام إلي واقع, وارتفع بالواقع البشري إلي درجة المثال.
والمثالية الواقعية, أو الواقعية المثالية من أبرز خصائص هذا الدين.
فلا هو يضع مُثُلًا روحانية عسيرة التطبيق, تهمل ضرورات الإنسان وواقعه المادي, وتشد الناس إلي أعلا شدا بلا هوادة فتعلقهم في الفضاء, كما تصنع الهندوكية والبوذية والرهبانية, ولا هو إذ يلتفت إلي مطالب الجسد وعالم المادة يحبس الإنسان في نطاق ضروراته, ويقعد به عن التحليق في الآفاق العليا التي يتحقق فيها المثال, بل يأخذ بهذه وتلك في آن واحد علي توازن واتساق, ومن ثم تلتقي فيه المثالية التي لا تهمل الواقع, بالواقعية التي لا تهمل المثال, ويكون من نتائجها -في أعلا حالاتها- ذلك الجيل المتفرد في التاريخ.
ونحن في حاجة ملحة لأن نتعرف علي هذا الجيل, لنعرف مكان الأسوة لنا في واقعنا المعاصر, ولنقيس علي ضوئه مدي قربنا أو بعدنا عن حقيقة الإسلام.
ونريد -قبل أن نرسم السمات الفريدة لذلك الجيل المتفرد- أن نتعرف علي العوامل التي أثرت فيه, فرفعته إلي القمم السامقة التي وعاها التاريخ.
لقد كان العرب شتيتًا متناثرًا لا يتجمع علي شيء, رغم وجود مقومات التجمع الأرضية كلها من وحدة الأرض, ووحدة الأرض, ووحدة اللغة, ووحدة الثقافة, ووحدة التاريخ, ووحدة المصالح... تلك التي يقول علم الاجتماع الجاهلي إنها هي التي تنشئ"الأمة". ولكن الأمة مع ذلك لم تنشأ رغم مرور الزمن المديد علي هذا الشتيت المتناثر وهو يحمل تلك المقومات. بل كانوا قبائل متناحرة تأكلها الحروب والثارات, وتأكلها قبل كل شئ جاهليتها التي تعيش فيها مجافية للهدي الرباني.
ومن هناك رفعها الإسلام, لا أفرادا ولا قبائل, ولكن"أمة"هي أعظم أمة في التاريخ بشهادة الله مخرجها إلي الوجود: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل 3/110] .
فمن أي شئ تكونت هذه الأمة الفذة, وما العوامل التي أثرت في تكوينها ونشأتها؟.
لا شك أن خامتها هي ذات الخامة التي كانت تعيش في ذات الأرض قبل هذا الحدث العظيم لعدة قرون. ولكن شيئًا ما -فعله كفعل السحر- قد أنشأ من هذه الخامة في سنوات قليلة نسيجًا غير مسبوق لا ملحوق...
فما هو يا تري ذلك الشيء العجيب التأثير, الذي أخرج ذلك النسيج الفذ من تلك الخامة التي ظلت لقًي مهملًا عدة قرون؟!.
لا شك -بادئ ذي بدء- أنه القرآن... ذلك الكتاب العظيم الذي نزل ليعيد بناء البشرية علي هدي الوحي الرباني:
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [سورة الإسراء 17/9] .
{ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) } [سورة الزخرف 43/4] .
ماذا يفعل القرآن في النفوس؟ هل يغير خامتها فيخرجها من بشريتها لتكون خلقًا آخر؟ كلا! فقد نزل للبشر, لا ليبدل فطرتهم, بل ليعيدهم إلي فطرتهم التي فطرهم الله عليها يوم خلق الإنسان {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [سورة التين 95/4] .
{ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) } [سورة الروم 30/30] .
أرأيت حين تمرر المغنطيس لي قطعة من الحديد, أتراه يغير طبيعتها؟ كلا! ولكنه يعيد ترتيب ذراتها فتصبح شيئًا آخر غير قطعة الحديد المبعثرة الذرات!
تصبح كيانًا جديدًا له طاقة مغناطيسية كهربائية لم تكن له من قبل! وكذلك يفعل في نفوس البشر هذا الدين المنزل في كتاب الله. إنه يتخلل النفوس البشرية فيعيد ترتيب ذراتها, فتصبح قوي كونية وطاقات, بعد أن كانت مبعثرة من قبل, ضائعة في التيه.
فأي شيء في هذا الكتاب العظيم هو مصدر ذلك السر الذي يحول الخامات المبعثرة الضائعة إلي طاقات؟ أهو نسقه اللغوي المعجز؟ أهو قوة بيانه؟ أهو وضوح معاينة؟ أهو حديثه عن اليوم الآخر وما فيه من مشاهد تهتز لها أوتار القلوب؟ أهو تشريعاته وتوجيهاته وتنظيماته؟ أهو قصصه وأمثاله وعبره؟ أهو تذكيره الدائم بعظمة الله جل جلاله وقدرته المعجزة التي لا تحدها حدود؟!.
إنه ولا شك كل ذلك.... فكل حرف في هذا القرآن له دلالته في مكانه, وله جانبه من التأثير.
ولكننا لا نكون مخطئين إن قلنا إن أوسع موضوعات القرآن جميعًا هو موضوع الألوهية.... هو قضية لا إله إلا الله.
إنه يخطر لنا لأول وهلة أن تركيز القرآن -وخاصة في السور المكية- على هذه القضية سببه أن القرآن كان يخاطب بادئ ذي بدء قومًا مشركين, يشركون مع الله آلهة أخري, فكان من المناسب التركيز علي قضية"لا إله ألا الله"لتصبح عقائد أولئك المشركين... ولكن استمرار القرآن في الحديث عن هذه القضية في السور المدنية, وفي الكلام الموجه للمؤمنين خاصة, الذين آمنوا واستقر الإيمان في نفوسهم حتى أنشأوا أمة مسلمة ودولة مسلمة, وجيشًا مسلمًا يقاتل في سبيل الله, قاطع الدلالة علي أن القضية لها أهميتها الذاتية, حتى لو كان المخاطبون مؤمنين! فالتركيز عليها ليس ناشئًا من إنكار المخاطبين بهذا القرآن أول مرة, إنما هو ناشئ من أنها هي المفتاح الذي القلوب البشرية للخير, وينشئ فيها الخير, ويربيها علي الخير, ويُنْتجُ منها الخير! وأنه لا يوجد مفتاح لهذه القلوب, يهيئها لما تهيئه لها لا إله إلا الله!.
وحين تكون القلوب منكرة تخاطب بهذه القضية لتتفتح للحق والخير... وحين تكون مؤمنة تخاطب بها كذلك ليتعمق الإيمان فيها ويتجدد, لأنه الزاد الذي لا زاد سواه. انظر إلي هذا التوجيه للمؤمنين:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} [سورة النساء 4/136] .
إنه يقول للذين آمنوا آمنوا وهم مؤمنون بذات الأمر الذي يراد منهم الإيمان به! وذلك لكي يزدادوا إيمانًا ويحرصوا علي ما في قلوبهم من الإيمان!.
ولقد فعل الإيمان بـ"لا إله إلا الله"فعله في نفوس أولئك المشركين, فأنشأهم نشأة جديدة كأنها ميلاد جديد.... ثم فعل فعله في نفوسهم بعد أن آمنوا فأصبحوا ذلك الجيل الفريد الذي نزل في وصفه هذا التقرير الرباني: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [سورة آل عمران 3/110] .
نعم... إنها"لا إله إلا الله"مفتاح القلوب, مفتاح الطريق لهذه القلوب حين تتجه الوجهة الصحيحة وتهتدي بنور الله.
ذلك أن الإنسان-كما قلنا في أكثر من موضع- عابد بفطرته.... وإنما يختلف المعبود الذي يتوجه إليه بالعبادة.
وعلي حسب المعبود يكون منهج الحياة....
فحين يكون المعبود هو الله يكون منهج الحياة هو المنهج الرباني المبين فيه الحلال والحرام, والحسن والقبيح, والمباح والغير مباح.... وحين يكون المعبود شيئًا آخر, يكون منهج الحياة هو الذي يمليه ذلك الشيء المعبود, سواء كان هو الهوي صراحة دون مواربة أم كان هو الهوى من وراء أستار وشعارات وعناوين ومن ثم تتعدد الصور في الجاهليات المختلفة وتلتقي في أنها كلها هوي... إن يكن هوي فرد بعينه أو مجموعة أفراد أو هوي كل الناس مجتمعين.... فكلها في النهاية أهواء.
والمنهج الرباني هو الذي يُصلح الحياة البشرية والنفس البشرية لأنه منزل من عند اللطيف الخبير الذي يعلم من خلق ويعلم ما يصلحه وما يصلح له, ومنزل من عند تصرف قد يقع اليوم يحيط علمه بكل شيء فلا تخفي عليه خافية, ولا يغفل عن أثر تصرف قد يقع اليوم ولكن أذره لا يظهر إلا بعد فترة من الزمن لا يستوعبها عمر الفرد؛ ومنزل من عند الحكم العدل الذي لا تميل بعدله الأهواء, الغنّي الذي لا تؤثر في حكمه المصالح الذاتية والحاجات.... وذلك كله فضلا عن أنه هو الله الذي يحق له وحده أن يقرر منهج الحياة للإنسان, لأنه هو خالقه وخالق هذا الكون كله, فبما أنه صاحب الخلق فهو صاحب الأمر: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) } [سورة الأعراف 7/54] .
ولن يستقيم الإنسان للمنهج الرباني حتى يعلم صدقا ويقينا أنه لا إله إلا الله. عندئذ يسلم نفسه لله الواحد الأحد؛ حين يستيقن أنه هو الرزاق ذو القوة المتين, وأنه الضار النافع, وأنه هو المحيي المميت, وأنه هو مدبر أمر الكون كله, وهو صاحب المشيئة النافذة فيه, وأن كل ما عداه لا يملكون شيئًا علي الحقيقة, وكل ما يملكونه في الظاهر يملكونه بمشيئة من الله وبقدر من الله.
عندئذ"يسلم"الإنسان! أي يسلم قيادة لله, فيتقبل قدره ومشيئته, ويتقبل أوامره ونواهيه, ويتقبل منهجه في الحياة.
ثم إن إقامة هذا المنهج في الأرض لا تتم بمجرد رغبة الناس في إقامته, أو إسلام أنفسهم له. فقد سبق في مشيئة الله وقدره ألا يكون الناس أمة واحدة.
{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [سورة هود 11/118-119] .
فهناك إذن من لا يؤمن بلا إله إلا الله, ومن يكرهها ويحاربها ويحارب أهلها ويقاوم منهجها.... ومن ثم تحتاج إقامة هذا المنهج في الأرض إلي مجاهدة أولئك الكافرين بلا إله إلا الله, الكارهين لمنهج الله.
والجهاد من أجل إقامة المنهج الرباني في الأرض يعرض الإنسان للأذى, ويعرضه للموت, ويعرضه للحرمات من متاع الأرض.
ويحتاج القلب البشري لكي يدخل معمعة الجهاد بشتى أنواعه وشتى مخاطره أن يؤمن مرة أخري أنه لا إله إلا الله! وأن الله هو الذي يحيي ويميت, وهو الذي يضر وينفع, وهو الذي يقبض الرزق ويبسط... وإلا تزلزلت قدماه علي الطريق عند أول اهتزازة تحدث في هذا الإيمان!.
لحظة واحدة يهتز فيها الإيمان القلبي الداخلي بأن الله -وحده- هو الذي يحرك الأقدار بمشيئته, وهو الذي يقدر النفع أو الضر أو الحياة أو الموت أو بسط الرزق أو قبضه... تختل الخطي علي الطريق, وينكص صاحبها علي عقبيه, إلا أن يتولاه الله برحمته, فيثبت إيمانه, فتثبت خطاه من جديد!.
ومن أجل ذلك كانت لا إله إلا الله هي الإعداد للجهاد كما كانت من قبل هي مفتاح الإسلام. إسلام القلب لله.
وحتى في السلم... في البحبوحة والراحة... فهناك هذه الثقلة التي تقعد بالقلب البشري عن"الاستقامة"علي الطريق.... ثقلة الشهوات المزينة المحببة للناس: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة آل 3/14] .
ولن يصمد القلب البشري لهذه الثقلة, بكل ما تحمله من إغراء وجذب, إلا أن يؤمن إيمان اليقين أنه لا إله إلا الله, وأن هذه الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف.
الإيمان بالله -حين يعمر القلب البشري- يبعث فيه الخشية والتقوى التي تؤهله لطاعة الله فيما يأمره به وينهاه عنه. والإيمان بأن الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف, وأن هناك بعثًا ونشورًا, وحسابًا وجزاءً, ونعيمًا وعذابًا, هو الذي يغير موازين الحياة كلها, وقيمها ومستوياتها, فلا يعود المتاع الحسي هو غاية الحياة, ولا يعود الاستغراق فيه هو الشغل الشاغل ولا اللهم المقعد المقيم, كما يكون الحال في الجاهليات, حين يؤمن الإنسان أن الحياة فرصة واحدة محدودة بجدود العمر القصير, وكل يوم ينقضي لا يعود.... فتكون الحكمة"الواقعية"حينئذ أن ينتهب أكبر قدر من اللذات في هذا العمر المحدود قبل أن تفوت إلي غير رجعة! ولا يكون للحلال والحرام عنده يومئذ معني, إنما يكون اهتبال الفرص المتاحة هو الغاية التي تسوق الناس سوقًا فيتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام!.
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) } [سورة محمد 47/12] .
أما حين يؤمن بالبعث والجزاء, والنعيم المقيم والعذاب الفظيع المتجدد:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا} [سورة النساء 4/56-57] .
عندئذ يسهل عليه أن ينضبط في الحدود التي رسمها الله دون أن يشعر بالحرمان, لأنه يعلم أن كل متاع زائد يشتهيه في الأرض ثم يمتنع عنه طاعة لله, لن"يضيع"ولن يذهب بغير عودة, إنما هو"طاعة"تحسب له في الميزان, فينال عليها نعيمًا خالدًا في الجنان.... فتكون الحسبة بذلك رابحة, ولا تذهب نفسه حسرات علي المتاع الفائت الذي تركه طاعة لله. ومن جهة أخري فإن تصور العذاب الفظيع جزاء علي المخالفة التي يهم بها انسياقًا وراء شهواته, يجعله يري أن الامتناع عنها هو الصفقة الرابحة, وليس الانغماس فيها بلا انضباط علي طريقة الحيوان... ومن هنا تتأكد التقوى والخشية التي يبعثها الإيمان بالله.
من أجل ذلك كان الكتاب الذي يرسم منهج الحياة للناس في الأرض مرتكزًا كله علي الإيمان بالله واليوم الآخر, وكانت التوجيهات والتشريعات والتنظيمات الواردة في الكتاب, كلها موصولة بالإيمان بالله واليوم الآخر, أعظم محورين يدور حولهما الكتاب.
وليس هنا مجال تفصيل الموضوعات الواردة في كتاب الله وأثرها في بناء النفس البشرية, فقد تحدثت عن ذلك في غير هذا الكتاب ولكني أذكر هذه النبذة السريعة فقط في مجال بيان العوامل التي أنشأت ذلك الجيل المتفرد علي غير مثال, لأقرر أن القرآن بما يحويه من إشارات وتوجيهات, وتنظيمات وتشريعات, كان العامل الأكبر والأعظم في بناء النفوس المتفردة في التاريخ.
وحين نذكر القرآن نذكر السنة بلا شك, فهي المكملة والشارحة للكتاب المنزل, هي بيان ما أنزل الله وتفصيله:
{ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [سورة النحل 16/44] .
وموضوعات السنة هي موضوعات القرآن مع اختلاف النسبة بينهما. فلئن كان القرآن قد توسع في شرح قضية الألوهية من جميع أبعادها وأقطارها, ودخل بها إلي النفس البشرية من جميع مداخلها, من الحب والكره والخوف والرجاء والحسي والمعنوي والإيمان بالمحسوس والإيمان بالغيب ( ) وخاطب النفس في جميع أحوالها, في الإقبال أحوالها, في الإقبال والإدبار, في رغبة والرهبة, في الارتفاع والهبوط, في السكون والحركة, في الطمأنينة والفزع, في الرخاء والشدة, في الوحدة وفي التجمع.
لئن كان القرآن قد توسع في هذه القضية ذلك التوسع فقد أجملت السنة, وإن كانت قد جاءت بما لا غناء عنه في تحديد المفاهيم الإيمانية, وتمييز الناس علي أساسها في الحياة الدنيا, والأحكام المتعلقة بذلك في المجتمع الإسلامي, ولئن كان القرآن قد أجمل في كثير من مواضع التشريع, فقد توسعت السنة وفصلت حتى أنت بالدقائق التي توضح للناس حلالهم وحرامهم في شتي تعاملاتهم.
ولئن كان القرآن قد توسع في ذكر اليوم الآخر بمشاهده الأخاذة فقد توسعت السنة مقابل ذلك فيما يعرف بالترغيب والترهيب, أي الترغيب في الأعمال التي تقرب الإنسان من الجنة, والترهيب من الأعمال التي تعرض الإنسان للنار.
وهكذا حين نتحدث عن أثر القرآن في إنشاء ذلك الجيل المتفرد نتحدث عن السنة في ذات الوقت. ولكنا نريد أن نضيف عنصرًا آخر شديد التأثير في رفع نفوس الناس في ذلك الجيل إلي أقصي طاقاتها, والاستواء بها علي تلك القمم السامقة التي وصلت إليها, ذلك هو وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بشخصه الكريم بين ظهرانيهم. فلا شك أن كان لهذا الوجود أثره الكبير في الوفرة الملحوظة في النماذج السامقة من بين أولئك المحيطين بالرسول صلى الله عليه وسلم , مع ارتفاع القمم التي وصلوا إليها, ذلك الارتفاع الشاهق الذي عجزت عنه البشرية في شتي أجيالها.
لقد كان التأثير المباشر لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ذا أثر بالغ في بناء تلك النفوس التي أحاطت به, وأحبته, وتربت علي عينه صلى الله عليه وسلم في نفوس أتباعه ومحبيه أثر غير مكرر في التاريخ, ولا عجب في ذلك فإنها شخصية غير مكررة في التاريخ!.
إنها أكمل شخصية وأعظم شخصية في الوجود البشري كله من بدائه إلي منتهاه.
وليس هنا مجال التفصيل في شرح هذه العظمة الفائقة. فهي شخصية تحوي داخلها شخصيات, وعظمة تحوي داخلها عظمات, لو أصاب أي إنسان واحدة منها لَعُدّ من عظماء التاريخ, فكيف بها مجتمعة في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم علي سموق متفرد في كل واحدة منها؟ شخصية المربي, شخصية القائد السياسي, شخصية القائد العسكري, شخصية العابد الروحاني, شخصية الزوج, شخصية الأب, شخصية الصاحب, شخصية الداعية... ثم كيف بها مجتمعة علي توازن بينها لا يجعل واحدة منها تطغي علي الأخرى, وعلي شمول وترابط لا يجعل واحدة منها تنفصل وتستقل عن الأخريات؟. عظمة فذة في التاريخ, وتأثيرها كذلك في التاريخ.
وصف أبو سفيان -قبل إسلامه- جانبًا من جوانب هذه العظمة, وجانبًا من عمق تأثيرها فقال:"ما رأيت أحدًا يحبه الناس كحب أصحاب محمد محمدًا".
وهو وصف صادق دقيق. فهي شخصية أخاذة من أحبها تعمق في حبها إلي أقصي الغاية (وكذلك من انطمست بصيرته فأبغضها لم يستطع أن يقف في بغضها عند حد!) .
والذين أحبوه والتصقوا به وعايشوه عن قرب, قد تأثروا به ولا شك أعمق التأثير, فاستطاعوا أن ينهلوا من معين القرآن أكثر, وأن يكون استواؤهم علي القمة السامقة أيسر. ذلك أن القرآن معني لا نضب, ولكنه يعطي كل إنسان علي قدر سعة الإناء الذي يغترف به. يحين تتسع القلوب وشف الأرواح بمصاحبة ذلك الروح العظيم, تكون قدرتها علي تشرب روح القرآن أكبر, وقدرتها علي صحبة القرآن والعمل به أوسع وأعمق.
عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِىِّ قَالَ - وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ - لَقِيَنِى أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْىَ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « وَمَا ذَاكَ » . قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْىَ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِى وَفِى الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِى طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً » . ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.رواه مسلم (2750)
وليس معني هذا أن تأثير صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينتهي حين يخرجون من عنده, فمثل هذا التأثير لا يمكن أن يزول. إنما يدل تصريح الصحابة رضوان الله عليهم علي عمق أثر الصحبة المباشرة في نفوسهم, حتى ليحسون أنهم يصبحون خلقًا آخر غير ما يعهدون من أنفسهم.... وفي حالق إن الإشعاع الذي يتلقونه من الروح العظيم المشع يجعل أرواحهم شفافة رفافة محلقة, كما يشعر السابح بخفة جسمه وهو محمول علي الماء... فإذا خرجوا إلي واقع الحياة اليومي خف ذلك الإشعاع الذي امتلأت به أرواحهم, فأحسوا بالفرق بين حالتهم في صحبته صلى الله عليه وسلم وحالتهم في معتاد حياتهم. ولكن واقع التاريخ يقول إن الشحنة لم تذهب أبدًا من أروحهم, وإن إحساسهم بالتغيّر بعد الخروج من عنده صلى الله عليه وسلم إن هو إلا شوق إلي مزيد من القدرة علي التحليق, ولكنه ليس فقدانًا لتلك القدرة علي الإطلاق, فقد ظلوا يحلّقون ويحلّقون ويحلّقون, علي آفاق لا عهد للبشرية بها من قبل.
ولسنا نقول مع ذلك إن وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بشخصه شرط لإقامة هذا الدين في الأرض! فلو علم الله أن هذا شرط لا يقوم الإسلام في الأرض إلا به ما كلف سبحانه وتعالي الناس أن يقيموا الدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهو لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
إنما نقول إن شخص الرسول صلى الله عليه وسلم حاضر بسيرته وحاضر بسنته إلي الدرجة التي يقوم بها الإسلام في الأرض كاملًا غير منقوص. ولكنا نحاول فقط أن نفسر واقعنا حدث بالفعل, هو الوفرة الملحوظة في النماذج الفائقة من بين المحيطين بالرسول صلى الله عليه وسلم , وفرة لم تتكرر في التاريخ من بعد, وإن كانت لم تنقطع في صورة أفراد متناثرين من كل جيل يزخر بهم تاريخ الإسلام في الماضي وما زال يزخر إلي هذه اللحظة.
عنصر ثالث لا يمكن إغفال أثره في نشأة ذلك الجيل المتفرد, هو أثر النشأة الجديدة.
إن كل نشأة جديدة تكون أنشط وأكثر حيوية وأكثر فاعلية من الأجيال السابقة.
وهذا مر له ما يفسره من طبيعة النفس البشرية, بل من طبيعة الكون المادي نفسه! فغاز الأوكسجين المحضر حديثًا في المعمل تكون له فاعلية (في المساعدة علي الإشعال) أكبر من الأوكسجين الموجود في الجو, مع أنه يماثله مماثلة تامة في التركيب!! كذلك النفوس التي تبدأ عهدًا جديدًا أو تشهد إنشاء جديدًا تكون أكثر حيوية وأكثر فاعلية من غيرها من النفوس. ويمكن تفسير ذلك من ناحيتين:
الأولي: إن النشأة الجديدة - وخاصة علي النحو الذي صنعه الإسلام - تعيد تركيب النفوس علي صورة جديدة فتصبح نفوسًا جديدة بالفعل, مذخورة الطاقة حادة الفاعلية كذلك الأوكسجين المحضّر لتوه في المعمل.
والثانية: أن التحديات التي يتلقاها جيل النشأة الجديدة هي أعنف التحديات وأشقها وأقساها.
ومن شأن التحديات دائمًا أن تشحذ النفوس الحية وتستخلص منها أقصى طاقتها. فإذا اجتمع الأمران معا: جدة النفوس, وعنف التحديات فنستطيع أن نتصور الفاعلية الهائلة التي تكون لتلك النفوس, وهي تعمل في واقع الحياة.
يضاف إلي ذلك أن أصحاب النشأة الجديدة هم من ناحية أقدر الناس علي تقدير النعمة الجديدة حق قدرها, فقد عايشوا الجاهلية من قبل ثم انتقلوا إلي الإسلام, فأدركوا -بالممارسة الواقعة- عظم النقلة التي انتقلوها من الجاهلية إلي الإسلام, كما قال عمر رضي الله عنه:"لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية"! أي لا يقدره قدره إلا من أدرك الفارق بينه وبين الجاهلية... وهم من ناحية أخري أحرص الناس علي المحافظة علي البناء الجديد سليمًا من كل نقص يعتوره, فقد بنوه لبنة لبنة, وتعبوا في بنائه وعانوا المشققات, وظلوا يرقبون ارتفاعه يومًا بعد يوم حتى استوي علي أكمل صورة, فهم لا يطيقون أن يعبث به عابث, أو ينقص من رونقه منتقص, فقد اختلط بأعماق مشاعرهم فأصبح منهم وأصبحوا منه, واصحبوا يحسون وجودهم في وجوده.
وكذلك كان ذلك الجيل الفريد حريصًا علي الإسلام, حريصًا علي أن يظل البناء الذي شيدوه تحت قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم وإشرافه سليما من كل نقص.
ولسنا نقول مع ذلك إن هذا شرط لازم لإقامة دين الله في الأرض... فلوعلم الله أنه شرط لازم ما كلف الناس فيما بعد جيل النشأة أن يقيموا هذا الدين!
ولكنا نحاول فقط أن نفسر ذلك الواقع التاريخي الذي تفرد في التاريخ.
وهذا يجرنا إلي سؤال نري من الضروري تحديد الإجابة عليه, لأنه يحيك في صدور بعض الناس حين ينظرون إلي ذلك الجيل المتفرد ثم ينظرون غلي ما بعده من الأجيال فيقول قائل منهم: إن الإسلام لم يعش ألا فترة قصيرة هي فترة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ثم انتهي بعد ذلك! ويجئ خبثاء المستشرقين وحواريوهم فيؤكدون علي هذا المعني لحدثوا في نفوس الناس يأسًا من عودة الإسلام إلي حكم الحياة الواقعة كما حكمها من قبل.
إذا كان هذا الجيل المتفرد غير قابل للتكرار -أو هو علي الأقل لم يتكرر حتى اللحظة الحاضرة- فما قيمته؟ ما دوره بالنسبة للإسلام والمسلمين؟ أليكون مجرد ذكري لشئ لا يمكن أن يعود؟.
وإذا كانت هناك ظروف خاصة أحاطت بنشأة ذلك الجيل غير قابلة للتكرار, وكان لها أثر عميق في نشأته, كوجود الرسول صلى الله عليه وسلم بشخصه الكريم بين ظهرانيهم, وتأثير النشأة الجدية في نفوس الجيل الذي عاصر تلك النشأة, فأنّي يرجى أن تقوم للإسلام صورة في الواقع علي نسق تلك الصورة الأخاذة التي قامت ذات يوم؟!.
وتحتاج الإجابة إلي تحديد واضح.
أي شئ في ذلك الجيل المتفرد هو غير قابل للتكرار, أو علي الأقل لم يتكرر حتى هذه اللحظة؟ أهو الخصائص الرئيسية التي تحقق الوجود الإسلامي في عالم الواقع, أم هي الدرجة العالية الفذة التي وصل إليها ذلك الجيل في تحقيق تلك الخصائص في عالم الواقع؟!!.
وتلك الظروف الخاصة التي أحاطت بنشأة ذلك الجيل ونقول إنها غير قابلة للتكرار.... ما دورها بالضبط؟ هل كان مجال تأثيرها هو إنشاء تلك الخصائص الرئيسية التي تحقق الوجود الإسلامي في عالم الواقع, أم هو في تلك الدرجة العالية الفذة التي وصل إليها ذلك الجيل في تحقيق تلك الخصائص في عالم الواقع.
أحسب أن القضية الآن أصبحت واضحة.
إن الخصائص الرئيسية التي تحقق الوجود الإسلامي في عالم الواقع مستمدة بكاملها من القرآن والسنة, أي: من العنصرين الدائمين في حياة المسلمين, المحفوظين بقدر الله ومشيئته.
فقد تكفل الله بحفظ كتابه المنزل, بينما ضاعت الكتب السابقة وحرّّفت: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } [سورة الحجر 15/9] .
كما تكفل بحفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم , بينما لم يبق من سنن الأنبياء السابقين إلا ما حفظه القرآن وحفظته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي هذين المصدرين كل"المواد"اللازمة لبناء الفرد المسلم والجماعة المسلمة والأمة المسلمة والدولة المسلمة في أي عصر من عصور التاريخ يرغب المسلمون في البناء, ويعزمون علي بذل الجهد اللازم له.
أما الذي صنعته الظروف الخاصة فهو تلك الدرجة الفذة في تحقيق الخصائص الرئيسية للوجود الإسلامي, المستمدة كلها من الكتاب والسنة.... وتلك الدرجة -لا الخصائص الرئيسية- هي التي لم تتكرر في التاريخ.
وتبقي الإجابة علي الشق الآخر من السؤال: إذا كانت تلك الدرجة التي تحققت بالفعل ذات يوم غير قابلة للتحقيق مرة أخري, لأنها نشأت من ظروف خاصة غير قابلة للتكرار, فما قيمتها في حياة الإسلام والمسلمين. أهي وجدت فقط لتظل حلما مهوّمًا يعرّّج عليه من أجل حلاوة الذكري ليس غير؟!.
كلا! إنها وجدت -بقدر من الله- لتظل نموذجًا يشد المسلمين إليه ليحاولوا تحقيقه في عالم الواقع.... وحين يحاولون فإنهم يرتفعون بالفعل, حتي وإن لم يصلوا -في مجموعهم- إلي ذات الدرجة التي وصل إليها هؤلاء؛ وإن كان التاريخ المشهود يقول إن أفرادًا من كل جيل يصلون بالفعل إلي ذلك المستوي السامق الرفيع, أولئك الذين نتوهج قلوبهم بنور الإسلام فيستطيعون أن يقبسوا من شخصية الرسول وأحداث حيات مثل ما كان يقتبس الصحابة رضوان الله عليهم بالمعايشة المباشرة, وان يحسوا --في أعماق نفوسهم- بالنشأة الجديدة علي نحو ما أحس الذين عاشوها أول مرة... فينهلوا من الكتاب والسنة بمثل العمق الذي كان ينهل به الصحابة الكرام, ويحققوا في ذوات أنفسهم ما كانوا يحققون.
هؤلاء قلة في كل جيل -نعم- بينما كانوا كثرة ملحوظة في المحيطين برسول الله صلى الله عليه وسلم ... ولكن مجموع المسلمين -حين يحاولون- يرتفعون درجات من الارتفاع, حتى ولو لم يصلوا لذلك المستوي الرفيع, لأن المحاولة ذاتها توجه الناس إلي أعلي, بينما القعود يهبط بهم إلي أسفل, بحكم الثقلة التي تجذب الناس أبدًا إلي أسفل ما لم يحاولوا الارتفاع: { وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [سورة العصر 103/1-3] .
من هنا يظل لذلك الجيل المتفرد دوره في حياة الإسلام والمسلمين.
فوجود هذا النموذج الفذ في عالم الواقع, حقيقةً واقعةً, لا حلمًا ولا خيالًا ولا شعارات, يظل يحفز الراغبين في تحقيق الإسلام لتحويل الرغبة إلي واقع, وبذل أقصي الجهد في هذا السبيل... وحين يحققون الخصائص الرئيسية للوجود الإسلامي في عالم الواقع, فلا عليهم بعد ذلك إن لم يصلوا إلي الدرجة الفذة التي وصل غليها الجيل الأول, فإن مجرد تحقيق الخصائص الرئيسية للوجود الإسلامي -ولو في حدا الأدنى- هو قفزة هائلة إلي أعلي بالنسبة لكل جاهليات التاريخ, بما فيها الجاهلية المعاصرة, بل في مقدمتها الجاهلية المعاصرة! وتبقي الدرجات العليا مجالًا للتفاضل, ومجالًا للتطوع النبيل, لا تكلف نفس إلا وسعها, يبلغ منها كل إنسان بقدر ما يطيق, فتصل قلة قليلة إلي المستوي, ويقترب الباقون خطوات.
نعم, إن وجود هذا الجيل المتفرد واقعًا في التاريخ, لم يكن -في قدر الله- لمجرد أن يكون ذكري حلوة تشع نسماتها علي القلوب ساعة ثم تتبدد... بل ليكون واقعًا يتجدد.
فقد طلب الله من المسلمين في كتابه الباقي إلي يوم يرث الله الأرض ومن عليها أن يتأسوا برسول الله صلى الله عليه وسلم , وأن يقتفوا أثر ذلك الجيل الفريد ويصلوا أنفسهم به:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) } [سورة الأحزاب 33/21] .
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) } [سورة الحشر 59/9-10] .
بل نقول أكثر من ذلك....
نقول إن حركة البعث الإسلامي المعاصرة هي أقرب الحركات أن تتمثل فيها خصائص ذلك الجيل المتفرد, إن لم يكن علي ذات الدرجة من الوفرة وذات الدرجة من التمكن, فعلي درجات قريبة منها علي أي حال.
ذلك أن الإسلام اليوم يعيش غربته الثانية التي تحدث عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ, فطوبى للغرباء" ( ) .
فإن لم تكن الغربة الثانية مطابقة تمام المطابقة للغربة الأولي في جميع حيثياتها فإنها ولا شك تشبهها في أمور كثيرة جوهرية, أهمها أن منهج الله ليس هو الذي يحكم حياة الناس, وأن الأمر يحتاج إلي دعوة الناس من جديد إلي الإسلام, لا لأنهم -في هذه المرة- يرفضون أن ينطقوا بأفواههم لا إله إلا الله محمد رسول الله كما كان الناس يرفضون نطقها في الغرة الأولي, ولكن لأنهم في هذه المرة يرفضون المقتضي الرئيسي لـ"لا إله إلا الله",وهو تحيكم شريعة الله والامتثال لمنهج الله, وإن كان ألف مليون من البشر من المحيط إلي المحيط ينطقون بأفواههم كل يوم: لا إله إلا الله محمد رسول الله! وهذه هي حقيقة"الغربة"التي يعانيها الإسلام اليوم في الأرض, رغم ملايين المصاحف التي تطبع, ومئات المحطات الإذاعية والتلفزيونية التي ترتل القرآن ن وتذيعه علي الناس, وتشرحه -في الأحاديث والدروس الدينية- لمن شاء من الناس الاستماع!.
وفي الغربة تكون الحركة إنشاء جديدًا أكثر مما تكون مجرد إصلاح لما هو قائم بالفعل في نفوس الناس.
إن هذا الغثاء الذي يعيش بالملايين اليوم, والذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا » . فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ « بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ » . فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ قَالَ « حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ » .أخرجه أبو داود برقم (4299) وهو صحيح
هذا الغثاء لا يحتاج إلي مجرد وعظه وإرشاده, وتقديم حقائق الإسلام إليه في الدروس الدينية سواء في المسجد أو الإذاعة أو الكتاب أو المحاضرة, إنما يحتاج إلي انتشاله في الجاهلية التي تحيطه وتضغط علي حسه بثقل"الأمر الواقع"وتنشئته نشأة جديدة علي حقائق الإسلام, ليعيشه بالفعل, لا"ليتحدث"عنه أو"يفكر"فيه أو"يعجب"به أو"يتمناه"وهو قاعد عن العمل لتحقيقه.
والذي تقوم به حركات البعث الإسلامي اليوم هو هذا في حقيقته. هو نشأة جديدة في وسط الغربة. ومن ثم يتحقق لهذه الحركات عنصر من العنصرين الخاصين اللذين أسهما في صنع الجيل الأول, ولم يتكررا خلال ثلاثة عشر قرنًا من قبل, ويكون لهذا العنصر فاعليته الكاملة في نفوس الذين يعيشون هذه الحركات, ويجاهدون لإزالة الغربة الثانية كما جاهدت الجماعة الأولي من قبل لإزالة الغربة الأولي للإسلام.
أما العنصر الآخر وهو حضور الرسول صلى الله عليه وسلم بشخصه الكريم بين ظهراني الناس فهو بطبيعته لا يتكرر أبدًا إلي قيام الساعة. ولكنا نستطيع أن نزعم أن الذين يعيشون"النشأة الجديدة"بالعمق الحقيقي الذي تحدثه في النفوس, ولا تفتنهم جزئيات من حقائق الإسلام فتشغلهم عن جوهره, ولا عن حقيقة المعركة التي يخوضها"الغرباء"في الأرض, لإعادة هذا الدين إلي التمكن وحكم حياة الناس الواقعة من جديد... هؤلاء يتوهج الحق في قلوبهم إلي الحد الذي يعيشون فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم -في سيرته وسنته- كأنهم يعايشونه ويتلقون عنه من قرب كذلك الجيل الأول المتفرد, وتكون هذه المعايشة -من خلال السيرة والسنة- كفيلة برفعهم غلي تلك الآفاق السامقة التي ارتادها الجيل الأول بجهد أيسر, وهم يتلقون الرفعة من الأثر المباشر لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم .
وخلاصة القول -كما أسلفنا- أن حركة البعث الإسلامي المعاصرة هي أقرب الحركات أن تتمثل فيها خصائص ذلك الجيل المتفرد, إن لم تكن بنفس الوفرة وبنفس الدرجة من الرفعة, فعلي درجات قريبة منها علي أي حال. وإنها لتقدم بالفعل نماذج ترتفع إلي ذلك المستوي, وتذكّر الناس به من جديد, سواء فقي التجرد لله, أو صدق الجهاد في سبيل الله, أو التقدم للشهادة بنفس راضية مستعلية علي كل متاع الأرض, متطلعة إلي ما عند الله, أو الثبات علي العذاب الذي لا تطيقه الأبدان ولا النفوس.
والخلاصة مرة أخري أن ذلك الجيل المتفرد, الذي تمثلت في واقعية الإسلام ومثاليته, لم يوجد ليكون مجرد ذكري, وإنما وجد ليحاول المسلمون في كل الأجيال أن يصعدوا لمستواه, فإن حاولوا فقد ارتفعوا ونجوا من الهبوط, سواء وصلوا -في مجموعهم- إلي ذلك المستوي الرفيع أم لم يستطيعوا الوصول.
والخلاصة مرة ثالثة أن الذي تفرد به ذلك الجيل لم يكن هو الخصائص الأساسية للوجود الإسلامي, فهذه مطلوبة من كل جيل, وممكنة في كل جيل, ولازمة لإقامة الوجود الإسلامي الصحيح في الأرض, والناس محاسبون إن قصروا في أدائها, ويعتبرون آثمين في حق الله وحق أنفسهم إن قصروا فيها, ويتوقف وجودهم وثقلهم في الأرض علي القيام بها في صورتها الصحيحة.
إنما الذي تفرد به ذلك الجيل هو الدرجة العجيبة التي قاموا فيها بتحقيق هذه الخصائص في عالم الواقع, بعد قيامهم بتحقيقها في ذوات أنفسهم. وهذه درجة لم يفرضها الله فرضًا علي الناس, إنما فرض عليهم الحد الأدنى الذي لا تستقيم الحياة بدونه, وترك الدرجات العلا للتطوع النبيل, الذي تقدر عليه النفوس حين تتربي التربية الصحيحة علي الإسلام, وتستضئ بنور الحق, وتعبد الله كأنها تراه وتقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم كأنها تعايشه.
وحين يتحقق للناس الحد الأدنى من هذا الدين, تستقيم الحياة علي صورة تعجز عنها أي جاهلية من جاهليات التاريخ, وفي مقدمتها الجاهلية المعاصرة....
أما حين يتحقق ما فوق ذلك فهذا هو الفردوس الأرضي الذي تحقق ذات مرة علي يد ذلك الجيل المتفرد, والذي سيظل أملًا جميلًا يحاول المسلمون تحقيقه في أي قرن من القرون!!