أبي طالب لم يكن من الخائضين في الإفك، وإنما استُشير فأشار [1] .
ومع هذا فإن عائشة رضي الله عنها قد عفَت وصفَحَت عن الذين خاضوا في حقِّها؛ كحسان بن ثابت، ولا تذكر أحدًا منهم بسوء، بل كانت تَنهى عن الإساءة لهم.
ففي صحيح البخاري أنها قالت لعروة بن الزبير وقد أخذ يسبُّ حسان، فقالت له:"لا تسُبَّه؛ فإنه كان يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" [2] .
وكان إذا دخل عليها حسان ألقت إليه وسادة ليجلس عليها.
فهل يعقل أن تُقدِّر موقف حسان الذين أساء إليها، ولا تقدر مواقف علي بن أبي طالب التي روت في حقه حديثَ الكساء، وتعرف مناقبه وفضائله وجهاده في سبيل الله، فتخفي اسمه عداوة له كما تدعي الروافض؟! هذا مما لا يعقله عاقل.
ثالثًا: معلوم أن العلاقة بين عائشة وعلي كانت معاملة طيبة كما تقدم بيان هذا.
ادعاؤهم كرهها له؛ لأنه أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بفراقها:
فالجواب: أن عليًّا رضي الله عنه لم يُشِر على النبي صلى الله عليه وسلم بفراقها، ولكنه أشار عليه بأن يسأل الجارية وهو يعلم براءتها؛ ليستريح قلبُ النبي صلى الله عليه وسلم، ويزيل ما فيه من الهموم والغموم.
قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله:"فأشار عليه عليٌّ رضي الله عنه أن يفارقها، ويأخذ غيرها؛ تلويحًا لا تصريحًا، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها، وألا يلتفت إلى كلام الأعداء، فعليٌّ لما رأى أنَّ ما قيل مشكوكٌ فيه؛ أشار بترك الشك والرِّيبة على اليقين؛ ليتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس، فأشار بحسم الدَّاء، وأسامة لما علم حبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ولأبيها، وعلم من عفتها وبراءتها وحصانتها وديانتها ما هي فوقَ ذلك وأعظمُ منه، وعرَف من كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ربِّه، ومنزلته عنده، ودفاعه عنه؛ أنه لا يجعل ربَّة بيته وحبيبته من النساء، وبنت صدِّيقه بالمنزلة التي أنزلَها ها أربابُ الإفك، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربه، وأعزُّ عليه من أن يجعل تحته امرأة بغيًّا، وعلم أن الصدِّيقة حبيبةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرمُ"
(1) وسيأتي الحكمة من إشارة علي بقوله:"النساء غيرها كثير".
(2) صحيح البخاري (3338) (5788) .