فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 173

(أ) علاقة عائشة بفاطمة رضي الله عنهما:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنَّا أزواجَ النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعنا عنده، فلم يغادر منهن واحدة، فجاءت فاطمةُ تَمشي ما تُخطئ مشيتُها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها رحَّب بها، وقال: (( مرحبا بابنتي ) )، ثم أقعدها عن يمينه، أو عن يساره، ثم سارَّها، فبكَت، ثم سارَّها الثانيةَ فضَحِكَت، فلما قام قلتُ لها: خصَّكِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسر، وأنت تبكين! عزمتُ عليك بما لي عليك من حقٍّ لما أخبرتِني ممَّ ضحكتِ؟ ومم بكيتِ؟ قالت: ما كنتُ لأفشي سرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفِّي قلتُ لها: عزمتُ عليك بما لي عليك من حق لما أخبرتِني، قالت: أمَّا الآن فنعَم؛ في المرة الأولى حدَّثني: (( أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام في هذه السنة مرتين، وإني لا أحسب ذلك إلا عن اقتراب أجلي، فاتقي الله، واصبري، فنعم السلف لك أنا، وأنت أسرع أهلي بي لحوقًا ) )، فبكيت، فلما رأي جزعي قال: (( أما ترضَين أن تكوني سيدة نساء العالمين، أو سيدة نساء هذه الأمَّة؟ ) )، فضحكت [1] .

نتأمل هذا الحديث، فما أجمل هذه العلاقة الطيبة بين أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وابنة الحبيب فاطمة رضي الله عنها!

أولًا: انظر إلى عائشة وهي تصف قدوم فاطمة ومِشيتَها؛ تقول:"لا تُخطئ مشيتُها مشيةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ثم تصف لنا ترحيبَ النبي صلى الله عليه وسلم بفاطمة، وتخصيصها بالسر إليها؛ أفلا يدل كل هذا على محبتها لها؟! فلو كانت تبغضها فما الذي يحملها على هذا الوصف الجميل، وتبثه في الأمة، وهو وصفٌ يبعَث في قلوب المؤمنين زيادةَ المحبة لفاطمة رضي الله عنها؟!

ثانيًا: ثم انظروا - رحمكم الله - إلى قولها:"عزمتُ عليك بما لي عليك من حق"؛ ليتبيَّن لنا من خلاله شدة الصلة بين عائشة وفاطمة رضي الله عنهما، وأنها تذكِّرها بهذه الصلة؛ لتستثيرها في إخبارها عمَّا أسر به إليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؛ فلو كانت فاطمة تَكره عائشة لما أخبرَتها بما سارَّها به النبي صلى الله عليه وسلم، بل عنَّفَتها أو قالت لها كلمةً تجرحها، لكنها اعتذرت في بادئ الأمر؛ لحفاظها على سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات وأصبح السرُّ علانية، عزمَت عليها عائشة مرة أخرى، وذكَّرتها أيضًا بالصلة التي بينهما.

(1) البخاري (1373) ، والنسائي في الكبرى (7078) ، (8517) ، ورواه مسلم مختصرًا (2450) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت