(1) ظهور قوَّة إيمانها رضي الله عنها، ومعرفتها بربها، ويظهر ذلك في الآتي:
أولًا: لم تتكلَّم رضي الله عنها بكلام فيه تسخُّط أو فُحش مع شدَّة المحنة، بل قالت:"سبحان الله! أوَتكلم الناس بهذا؟!"، وفي رواية ابن إسحاق أنها قالت لأمِّها:"غفر الله لك، يتحدَّث الناس بهذا ولا تذكرين لي؟!".
قال ابن حجر رحمه الله: استغاثَت بالله متعجبةً من وقوع مثل ذلك في حقِّها، مع براءتها المحقَّقة عندها.
ثانيًا: استحضار القرآن في حديثها؛ ففي الوقت الذي نَسيَت فيه اسم (يعقوب) وذكرَته بأبي يوسف، مع ذلك كانت مستحضرةً للقرآن، فقالت: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] .
ثالثًا: إفراد الله بالحمد، وتوليتها النِّعمة لربها:
قال ابن القيِّم رحمه الله:"ومن تأمَّل قول الصديقة، وقد نزلَت براءتها فقال لها أبواها: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت:"والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله"، علِمَ معرفتها، وقوة إيمانها، وتوليتها النعمة لربها، وإفراده بالحمد في ذلك المقام وتجريدها التوحيد" [2] .
(2) إدلالها ببراءتها، وإعطاء كل مقام حقَّه:
وذلك أيضًا في قولها:"والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله"، فدلَّ ذلك كما يقول ابن القيم على"قوة جأشها، وإدلالها ببراءة ساحتِها، وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصُّلح، الطالب له، وثقتها بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها؛ قالت ما قالت، إدلالًا للحبيب على حبيبه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسنُ مقامات الإدلال، فوضعته موضعَه" [3] .
(1) استفدتُ هذه الفوائد من فتح الباري (8/ 452 - 482) ، وشرح النووي لصحيح مسلم (17/ 103 - 117) ، وبهجة النفوس لابن أبي جمرة (3/ 39 - 73) ، وزاد المعاد لابن القيم (3/ 256 - 269) ، وقد أشير إلى موضع الفائدة، وقد لا أشير إليها؛ لأنني تصرَّفت في كثير من العبارات.
(2) زاد المعاد (4/ 264) ، ط الرسالة.
(3) المصدر السابق.