وقال ابن الجوزي:"إنما قالت ذلك إدلالًا، كما يُدِلُّ الحبيب على حبيبه" [1] .
(3) ثباتها ورزانتها:
وذلك بإدخال أسباب الحب إلى قلبه صلى الله عليه وسلم، فهو يحب أن يرى زوجته في كمال معرفتها بربها وتوحيدها له؛ لذا قال ابن القيم:"والله ما كان أحبها إليه حين قالت:"لا أحمد إلا الله؛ فإنه هو الذي أنزل براءتي"، ولله ذلك الثبات والرَّازنة منها، وهو أحبُّ شيء إليها، ولا صبرَ لها عنه، وقد تنكر قلب حبيبها لها شهرًا، ثم صادفت الرِّضى منه والإقبال، فلم تبادر إلى القيام إليه، والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له، وهذا غاية الثبات والقوة" [2] .
(4) فطنة أمها أم رومان رضي الله عنها وحُسن تربيتها:
وهذا يدلنا على أن عائشة تخرَّجَت في بيتٍ معروف بالأدب والرزانة، لا الفحش والطيش؛ فإن عائشة رضي الله عنها لما ذهبت إليها تسألها عما يتكلم به الناس قالت:"يا بنيَّة، هوِّني عليك؛ فما من امرأة وضيئة لها ضرائرُ إلا أكثَرن عليها"، وفي رواية:"لقلَّما أحب رجلٌ امرأته إلا قالوا لها مثل ذلك"، وفي رواية:"إلا حسَدنها وقيلَ فيها".
وقال الحافظ رحمه الله:"وفي هذا الكلام من فِطنة أمِّها، وحسن تأدُّبها في تربيتها ما لا مَزيد عليه؛ فإنها علمت أن ذلك يعظم عليها، فهوَّنَت عليها الأمر بإعلامها بأنها لم تنفرِد بذلك؛ لأن المرء يتأسى بغيره فيما يقع له، وأدمجَت في ذلك ما تطيِّب به خاطرها من أنها فائقةٌ في الجمال والحظوة، وذلك ما يعجب المرأةَ أن توصَف به، مع ما فيه من الإشارة إلى ما وقَع مِن حَمنة بنت جحش وأن الحاملَ لها على ذلك كونُ عائشة ضرةَ أختِها زينب بنت جحش" [3] .
قلتُ: وقد أكدَت كلامها باليمين، وفيه التأكيد لما تقوله [4] .
(5) سمو بيت النبوة:
إذ إن أزواجه صلى الله عليه وسلم لم يقَعن في الفرية، مع أنَّهن ضرائرُ لها، وبينهن من الغيرة ما هو من طبيعة النساء، وقد قالت أمُّ عائشة لها:"والله ما كانت امرأةٌ وضيئة عند رجل يحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثَرن عليها".
(1) نقلًا من فتح الباري (8/ 477) .
(2) المصدر السابق.
(3) فتح الباري (8/ 467) .
(4) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة (3/ 55 - 56) .