قالوا: إنَّ عائشة أذاعَت سرَّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم: 3] .
وقد استدلَّ الشيعة بهذه الحادثة على عدة أمور:
منها: أن حفصةَ وعائشة أذاعوا سرَّه؛"علمًا بأنه وقع اختلاف كبير بين الشيعة عن هذا الحديث المُسَرِّ؛ ما هو؟ ومن الذي أفشاه؟" [1] .
ومنها: استدل الشيعة بهذه الآية على كفر عائشة وحفصة؛ لقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، وفسروا معنى"صغت": زاغت، والزيغ الكفر [2] .
والجواب على ذلك:
أولًا: قد ثبت في الصحيح أن المقصود في هذه الآية هما عائشة وحفصة أمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن.
ففي صحيح البخاري: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عسلًا عند زينبَ بنتِ جحش، ويمكُث عندها، فواطيتُ أنا وحفصة على أيَّتنا دخل عليها فلتقُل له: أكلتَ مغافير، إني أجد منك ريحَ مغافير، قال: (( لا، ولكني كنتُ أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش، فلن أعودَ له، وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدًا ) ) [3] .
وفي رواية: (( بل شربتُ عسلًا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له ) )، فنزلَت: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ... إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} [التحريم: 1 - 5] لعائشة وحفصة؛ إذ أسرَّ النبي صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: أهل السنة والجماعة لا يُحاولون طمسَ الحقيقة؛ بل هذه الحادثة مدوَّنة في أصحِّ كتابٍ بعد كتاب الله؛ في صحيح البخاري، والحديث المسَرُّ هو تحريم رسول الله لجاريته ماريةَ القبطية على نفسه، أو امتناعُه عن أكل العسل عند زوجته زينبَ بنت جحش رضي الله عنها.
ثالثًا: أما قولهم: قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] يدلُّ على كفر عائشة وحفصة
(1) فبعضهم يرى أن الحديث المسَرَّ به هو أن عليًّا هو الوصي، وبعضهم يرى أن الحديث المسرَّ به أنه قال لحفصة: إن أباك وأبا بكر يَليان مِن بعدي، وبعضهم وافق أهل السُّنة، وهو تحريم العسَل أو الجارية.
(2) انظر: الصراط المستقيم للبياض (3/ 168) .
(3) نقله ابن كثير في البداية والنهاية (7/ 248) .