رضي الله عنهما؛ لأن قراءتهم: (فقد زاغت قلوبكما) ؛ كما ذكرها النوري الطبرسي [1] في فَصل الخطاب، والبياضي في الصراط المستقيم، وقالوا: الزيغ هو الكفر.
وهذه الدعوى باطلة أيضًا؛ لأن الزَّيغ معناه: الميل، وهذا الميل متعلِّق بالغيرة لا غير، والزيغ والميل في هذه المسألة: الغيرة بين الضَّرائر ليس زيغًا عن الإسلام إلى الكفر، فالغيرة من جبِلَّة النساء، ولا مؤاخذةَ على الأمور الجبلية.
وعائشة وحفصة رضي الله عنهما قد مال قلباهما إلى محبة اجتنابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريتَه، وتحريمِها على نفسه، أو مالت قلوبهما إلى تحريم الرسول صلى الله عليه وسلم لِمَا كان مباحًا له؛ كالعسل مثلًا.
رابعًا: الغيرة بين أزواج النبيِّ حاصلةٌ في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان يرى ذلك ويبتسِم ويُقرُّهن على هذا؛ لأن هذا من طبائع النساء، ولم يغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيرتهن، كما في البخاريِّ من حديث أنس قال:"كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلَت إحدى أمهات المؤمنين بصَحفة فيها طعام، فضربَت التي النبيُّ صلى الله عليه وسلم في بيتها يدَ الخادم، فسقَطَت الصَّحفةُ فانفلقَت، فجمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمَع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: (( غارت أمُّكم ) )، ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفةٍ من عند التي هو في بيتها، فدفع الصَّحفة الصحيحة إلى التي كُسرت صحفتها، وأمسك المكسورةَ في بيت التي كسَرَت" [2] .
وكذلك غَيرة سارة زوجةِ إبراهيم عليه السلام من هاجرَ عليهم السلام.
وأمَّا ادِّعاء الشيعة أن حفصةَ رضي الله عنها كفَرت لأنَّها سألَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: مَن أنبأك هذا؟ فغيرُ صحيح؛ لأنَّ قولها: من أنبأك هذا؟ ليس فيه طعنٌ في نبوته، أو شكٌّ في أن الله أطلعه على ذلك؛ لأنها قد كانت أخبرَت عائشةَ رضي الله عنها بالحديث الذي أسرَّه لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فسألَته: من أنبأك هذا؟ لتعرف هل عائشةُ هي التي أنبأته، وهذا واضحٌ لا يَخفى.
خامسًا: الله عز وجل دَعاهما إلى التوبة بقوله: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} [التحريم: 4] ، فهُما قد ثابَتا ورجعَتا إلى الله عز وجل، وهذا عتابٌ من الله لهما كما عاتب الله نبيَّه وحبيبه وصفيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ}
(1) انظر فصل الخطاب (ص 313) ، والصراط المستقيم للبياضي (3/ 168) .
(2) البخاري (4927) ، وأبو داود (3567) ، والنسائي (7/ 70) ، وابن ماجه (2334) .