كان للسيدة عائشةَ رضي الله عنها مكانتها المرموقة بين الصحابة والتابعين، وكانت مرجعًا لهم ليتلقَّوا منها علومهم، ويسألوها عما أشكَل عليهم، فتبثُّ عليهم الأحاديث النبوية، وتشرح لهم الآياتِ القرآنية، وتبيِّن لهم الأحكام الفقهية، وقد تميزت مدرستها ومنهجها في التعليم بعدة مزايا:
أولًا - التأني وعدم الإسراع:
فعن عروة أن عائشة رضي الله عنها قالت مستنكرةً: ألا يُعجبكَ أبو هريرة؛ جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسمِعني ذلك، وكنت أسبِّح، فقام قبل أن أقضي سُبحَتي! ولو أدركتُه لرددتُ عليه؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يَسرُد الحديث كسَردِكم [1] .
ومعنى"أسبِّح"أي: أصلِّي.
ثانيًا - التعليم بالأسلوب العمَلي:
وذلك زيادةً في توضيح الأحكام؛ وذلك كتعليمها الوضوءَ لمن سألها عنه.
عن أبي سلمة قال: دخلتُ أنا وأخو عائشة على عائشة، فسألها أخوها عن غُسل النبي صلى الله عليه وسلم فدعَت بإناء، نحوًا من صاع، فاغتسلَت وأفاضت على رأسها، وبيننا وبينها حجاب.
أي: أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ابنُ أختها من الرضاع، أرضعَته أمُّ كلثوم بنت أبي بكر رضي الله عنهم.
(أخو عائشة) ، قيل: هو عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، وقيل: هو عبد الله بن يزيد أخوها من الرضاع.
(عن غُسل) كيفيَّته ومقدار ما يَغتسل به.
(نحوًا من صاع) قريبًا من الصاع، يَزيد قليلًا أو يَنقص.
(حجاب) ؛ أي: يَحجب عنَّا ما يَحرم رؤيته علينا.
ثالثًا - إيراد الدليل:
ويتَّضح ذلك في هذه الرواية؛ فعن مسروقٍ قال: كنتُ متكئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاثٌ مَن تكلَّم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفِرية، قلتُ: وما هن؟
(1) البخاري (3375) ، ومسلم (3493) ، وأبو داود (3655) .