قالت: مَن زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنتُ متكئًا فجلستُ، فقلتُ: يا أم المؤمنين، أنظِريني ولا تعجليني، ألم يقل الله عز وجل: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 22] ، {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] ؟! فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (( إنما هو جبريل؛ لم أره على صورتِه التي خُلق عليها غير هاتين المرَّتين؛ رأيتُه منهبطًا من السماء، سادًّا عِظَمُ خَلْقه ما بين السماء والأرض ) )، فقالت: أولم تسمع أن الله يقول: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] ؟! أو لم تسمع أن الله يقول: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51] ؟!
قالت: ومَن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من كتاب الله فقد أعظمَ على الله الفرية، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] .
قالت: ومن زعم أنه يُخبِر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} [النمل: 65] [1] .
ومعنى (أعظمَ على الله الفريةَ) : هي الكذب؛ يُقال: فرى الشيء إذا اختَلقَه.
(أنظريني) من الإنظار، وهو التأخير والإمهال.
وبذلك يتَّضح لنا أنَّ السيدة عائشة رضي الله عنها كانت معقلًا للفكر الإسلامي، وسراجًا يضيء على طلاب العلم، ولذكائها وحبِّها للعلم؛ كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يحبها ويؤثِرُها؛ حيث قال: (( وإن فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثَّريد على سائر الطعام ) ).
(1) مسلم (177) .