فقد زعمَت الشيعةُ أنَّ عائشة رضي الله عنها خالفَت أمر ربِّها بلزوم بيتها في قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] .
والجواب على هذا الادِّعاء:
أولًا: ليس المقصودُ من الآية النهيَ عن الخروج مطلقًا؛ إذ لو كان الله يريد لهنَّ عدم الخروج مطلقًا لما نهاهنَّ عن التبرُّج؛ إذ إن تبرُّجها في بيتها لا حرج فيه، فدل ذلك على أن خروج المرأة من بيتها للمصلحة جائزٌ بشرطِ عدم التبرج.
قال قتادةُ: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] ؛ أي: إذا خرجتُنَّ من بيوتكن، وقال:"كانت لهنَّ مِشية وتكسُّرٌ وتغنُّج، يعني بذلك الجاهليَّةَ الأولى، فنهاهنَّ الله عن ذلك" [1] .
فالآية أمرٌ من الله لجميع النِّساء بملازمةِ البيوت، لكن هذا لا يَعني أنه محرَّم عليها الخروجُ للمصلحة، وسيأتي بيانُ ذلك.
ثانيًا: وردَ في كلام الشيعة ما يدلُّ على جواز خروج المرأة، وإليك بعض هذا النُّقول:
قال المفيد:"على المرأة الحرةِ المسلمة أن تستتر في بيتها، وتلزمَه، ولا تخرج منه إلا في حقٍّ تقتضيه، ولا تتبرَّج في خروجها منه" [2] .
وقال الطبرسي:"أمَرهن بالاستقرار في بيوتهن، والمعنى: اثبُتن في منازلكن، والزَمنها، {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] ؛ أي: لا تَخرجن على عادة النساء اللاتي في الجاهليَّة، ولا تُظهِرن زينتكن كما كنَّ يُظهرن ذلك، وقيل: التبرج: التبختُر والتكسُّر في المشي" [3] .
ويتَّضح من هذه التفاسير وغيرها ما يلي:
(1) أن الآية عامةٌ لنساء النبي صلى الله عليه وسلم ولغيرهن.
(2) أنه لا مانعَ من الخروج للمصلحة؛ بشرط عدم التبرج.
ثالثًا: بناء على ذلك يتَّضح أنَّ خروج المرأة للمصلحة جائزٌ؛ كخروجها للحج مثلًا، أو خروجها لقضاء حوائجها مما تقتضيه المصلحة، وهو غير مخالف للآية، وليس فيه معصية، ومعلومٌ أن خروج عائشة رضي الله عنها كان لمصلحة المسلمين، ولجمع كلِمَتهم، ولما كانت ترجو من أن يرفع الله بها الخلافَ بين المسلمين لمكانتها عندهم، ولم يكن هذا رأيَها وحدها.
(1) تفسير الطبري (10/ 294) .
(2) أحكام النساء للمفيد (ص 55 - 56) .
(3) تفسير البيان للطبرسي (8/ 155) .