بل كان هذا هو رأي بعض مَن كان حولها من الصحابة الذين أشاروا عليها بذلك.
يقول ابنُ العربي رحمه الله:"وأما خروجها إلى حرب الجمل فما خرجَت لحرب، ولكن تعلَّق الناس بها وشكَوا إليها ما صاروا إليه من عظم الفتنة وتهارُج الناس، ورجَوا بركَتَها في الإصلاح، وطمعوا في الاستحياء منها إذا وقفَت للخلق، وظنَّت هي ذلك، فخرجَت مقتديةً بالله في قوله: {لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] ، وبقوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] ، والأمر بالإصلاح مخاطَبٌ به جميعُ الناس؛ من ذكر أو أنثى، حرٍّ أو عبد ..." [1] .
وقد صرَّحَت عائشةُ نفسُها بأن هذا هو سببُ خروجها، كما ثبتَ ذلك عنها في أكثرَ من مناسبة وفي غيرِ ما رواية.
فروى الطبريُّ أنَّ عثمان بن حنيف رضي الله عنه وهو والي البصرة من قِبَل علي بن أبي طالب رحمه الله أرسل إلى عائشة رضي الله عنها عند قدومها البصرةَ من يسألها عن سبب قدومها، فقالت:"والله ما مِثلي يسير بالأمر المكتوم، ولا يغطِّي لبنيه الخبر؛ إنَّ الغوغاء من أهل الأمصار، ونُزَّاع القبائل، غزَوا حرمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحدثوا فيه الأحداث، وآوَوا فيه المُحدِثين، واستوجَبوا فيه لعنةَ الله ولعنة رسوله، مع ما نالوا من قتلِ إمام المسلمين بلا تِرَةٍ ولا عذرٍ، فاستحلُّوا الدم الحرام فسفَكوه، وانتهَبوا المال الحرام، وأحلُّوا البلد الحرام، والشهر الحرام، ومزَّقوا الأعراض والجلود، وأقاموا في دار قومٍ كانوا كارهين لمقامهم، ضارِّين مضرِّين غيرَ نافعين ولا متَّقين، ولا يَقدرون على امتناع ولا يأمنون، فخرجتُ في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناسُ وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا، وقرأتُ: {لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] ."
فنهَض في الإصلاح - ممن أمر الله عز وجل، وأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم - الصغيرُ والكبير، والذكَرُ والأنثى، فهذا شأنُنا إلى معروفٍ نأمرُكم به ونحضُّكم عليه، ومنكرٍ نَنهاكم عنه ونحثُّكم على تغييره" [2] ."
وروى ابنُ حبان أنَّ عائشة رضي الله عنها كتبَت إلى أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه وإلى عليٍّ رضي الله عنه على الكوفة:"فإنَّه قد كان مِن قتل عثمان ما قد علمتَ، وقد خرجتُ مُصلحةً بين الناس، فمُر مَن قِبلَك بالقرار في منازلهم، والرِّضا بالعافية حتَّى يأتيهم ما يحبُّون من"
(1) أحكام القرآن (3/ 596) .
(2) تاريخ الطبري (4/ 462) .