فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 173

قالت عائشة: ألا أحدِّثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: بلى، قال: قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم عندي، انقلَب فوضَع رداءه وخلَع نعليه فوضعَهما عند رجلَيه، وبسَط طرفَ إزارِه على فراشه فاضطجَع، فلم يلبث إلا ريثَما ظنَّ أن قد رقدتُ، فأخذ رداءه رُويدًا، وانتعل رويدًا، وفتح الباب فخرج، ثم أجافه رويدًا، فجعَلت درعي في رأسي، واختمرت وتقنَّعت إزاري، ثم انطلقتُ على إثره حتى جاء البقيعَ، فقام فأطالَ القيام، ثم رفعَ يديه ثلاثَ مرات، ثم انحرَف فانحرفتُ، فأسرع فأسرعتُ، فهروَل فهروَلتُ، فأحضر فأحضرتُ، فسبقتُه، فدخلتُ، فليس إلاَّ أنِ اضطجَعتُ، فدخل فقال: (( ما لكِ يا عائش؛ حَشْيَا رابيةً ) )، قالت: قلتُ: لا شيء؟ قال: (( لتخبِرِنِّي أو ليخبرَنِّي اللطيف الخبير ) )، قالت: قلتُ: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! فأخبرتُه، قال: (( فأنتِ السواد الذي رأيتُ أمامي؟ ) )قلت: نعم، فلهَدَني في صدري لهدةً أوجعَتني، ثم قال: (( أظننتِ أن يَحيف الله عليك ورسولُه؟! ) )، قالت: مهما يَكتمِ الناس يعلمْه الله! نعَم، قال: (( فإنَّ جبريل أتاني حين رأيتِ، فناداني فأخفاه منكِ فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليكِ وقد وضعتِ ثيابك، وظننتُ أن قد رقدتِ، فكرهتُ أن أوقظَك، وخشيتُ أن تستوحشي، فقال: إنَّ ربكَ يأمركَ أن تأتي أهل البقيع فتستغفِرَ لهم ) )، قالت: قلتُ: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: (( قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويَرحم الله المستقدِمين منَّا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ) ) [1] .

والجواب على هذا من وجوه [2] :

أولًا: ليس في هذا الحديث أنَّها سألَتِ النبي صلى الله عليه وسلم: هل يعلم اللهُ كلَّ ما نكتمه، وإنما قالت:"مَهما يكتُمْه الناس يعلَمْه الله"، فهذا تقرير، ثم قالت بعد ذلك مؤكِّدةً تقريرَها:"نعم".

ومعلوم أنَّ"مهما"ليست أداة استفهام، وإنما هي أداةُ شرط تفيد التوكيد، أو تفيد العموم [3] ، فعائشة رضي الله عنها لا تستفهِم، إنَّما تؤكد بيانَ علم الله عز وجل لما يكتمهُ الناس فيعم علمُه لكلِّ الأشياء.

(1) مسلم (974) ، وأحمد (6/ 71) .

(2) استفدتُ هذا البحث من منتديات شبكة المنهج بإشراف عثمان الخميس حفظه الله، والكاتب ابن هشام الدِّمشقي؛ بتصرُّف مني.

(3) انظر: تفسير الألوسي (9/ 33) ، والقرطبي (9/ 308.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت