عظم قدرها عنده، وعلى مزيد فضلها؛ لأنها أغنَته عن غيرها، واختصت به بقدر ما اشترَك فيه غيرُها مرَّتين؛ لأنه عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عامًا، انفردَت خديجة منها بخمسةٍ وعشرين عامًا وهي نحوُ الثُّلثين من المجموع، ومع طول المدة فصَان قلبَها فيها من الغيرة، ومن نكد الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك، وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها" [1] ."
هكذا تذكر عائشة من فضل أم المؤمنين خديجة رضي الله عنهما.
وترى أيضًا أن عائشة رضي الله عنها تَروي لنا حديثَ بدء الوحي، وقد ذكرَت لنا فيه موقفَ أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها عندما دخلَ عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (( زمِّلوني دثِّروني ) )، فزمَّلوه، حتى ذهب عنه الرَّوع، فقال: (( ما لي يا خديجة؟! ) )، وأخبرَها الخبر، وقال: (( لقد خشيتُ على نفسي ) )، قالت له:"كلاَّ، أبشِر؛ فوالله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتَصِل الرحم، وتَصدُق الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتعين على نوائب الحق ..."إلخ الحديث [2] .
فهذا يدل على محبة أم المؤمنين عائشة لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها؛ لأنه كان يمكنها أن تَروي لنا القصة بدون ذِكر موقفها وكلامها الجميل الذي يدلُّ على رسوخها وإيمانها؛ لتربط به على قلب النبي صلى الله عليه وسلم وتطمئنه وتبشِّره، أو كانت على الأقلِّ تُعرِّض بدون تصريح باسم خديجةَ رضي الله عنها.
فهل رأيت مديحًا وإطراء أعظم من هذا؟! لم تترك شيئًا من خيرَيِ الدنيا والآخرة إلا وذكرَتها به، وهي أهلٌ لذلك؛ رضي الله عنها وأرضاها.
فذكرَت من فضائلها من خلال هذه الأحاديث التي روَتها ما يلي:
(1) حنين النبي صلى الله عليه وسلم إليها.
(2) حبه صلى الله عليه وسلم لها.
(3) كثرة ذكره لها.
(4) ثناؤه عليها.
(5) استغفاره لها.
(6) إيمانها به إذ كفر به الناس.
(1) فتح الباري (7/ 127) .
(2) البخاري (2) (6581) ، ومسلم (160) .