فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 173

فأقبل به المسورُ وعبد الرحمن مشتمِلَين بأردِيَتِهما حتى استأذَنا على عائشة، فقالا: السلام عليكِ ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلُّنا؟ قالت: نعم، ادخلوا كلكم - ولا تعلم أنَّ معهما ابنَ الزبير - فلما دخلوا دخَل ابنُ الزبير الحجابَ فاعتنقَ عائشةَ، وطفِقَ يناشدُها ويَبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يُناشِدانها إلا ما كلَّمَته وقَبِلَت منه، ويقولان: إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عمَّا قد علمت من الهجرة؛ فإنه (( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ) )، فلما أكثَروا على عائشة من التذكرة والتَّحريج طفِقَت تذكرهما وتبكي، وتقول: إني نذَرتُ، والنذر شديد! فلم يزالا بها حتى كلَّمَت ابنَ الزبير وأعتقَت في نذرها ذلك أربعين رقبةً، وكانت تَذكر نذرَها بعد ذلك فتَبكي حتى تبلَّ دموعُها خمارها [1] .

ويقول أبو الضحى مسلمٌ: حدَّثني من سمع عائشة تقرأ في الصلاة: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: 27] ، فتقول: مُنَّ عليَّ، وقِني عذاب السَّموم [2] .

فهكذا كانت حياةُ عائشة رضي الله عنها مليئةً بالأعمال الفاضلة، والخصال النبيلة، مع الفضائل الجمَّة الواردةِ في شأنها، ومع ذلك عَظُم خوفها وخشيتُها من الله.

مرض موتها:

بعد أن قضَت رضي الله عنها حياتها بأفضل الأعمال وحسناتها، وجاء أجلُها المحدد الذي لا يتقدَّم ولا يتأخر، فمرضت مرضَها الأخير، وجاءها ابنُ عباس يستأذن عليها وهي مغلوبةٌ، فقالت: أخشى أن يُثني، فقيل: ابنُ عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينكِ؟ فقالت: بخير إن اتَّقيتُ، قال: فأنت بخيرٍ إن شاء الله؛ زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج بِكرًا غيرك، ونزل عذرُك من السماء [3] .

وكذا جاء في رواية أخرى، قال القاسم بن محمد: اشتكَت عائشة رضي الله عنها، فجاء ابنُ عباس فقال: يا أمَّ المؤمنين، تَقدَمين على فرَطِ صِدق؛ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أبي بكر رضي الله عنه [4] .

ومعنى"فرَط صِدق": صادق، والفرَطُ: المتقدِّم على كل شيء.

والفرط: هو المتقدم على القوم في المَسير، وفي طلب الماء، وجاء في رواية أخرى بتفصيلٍ

(1) البخاري (5725، 2314) .

(2) عبد الرزاق في مصنفه (2/ 451) رقم (4048) ، والبيهقي في شُعب الإيمان (2092) .

(3) البخاري (4476) .

(4) البخاري (3660) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت