فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 173

ما أخرجه الشَّيخانِ في صحيحيهما من حديث الإفك عن عائشة قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومِه، فاستعذَر مِن عبدالله بن أبيٍّ وهو على المنبر، فقال: (( يا معشر المسلمين، من يَعذِرني من رجلٍ قد بلغَني أذاه في أهلي؟! والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا .... ) )؛ الحديث.

فقوله صلى الله عليه وسلم: (( من يَعذِرني ) )؛ أي: مَن يُنصِفني ويقيم عُذري إذا انتصَفتُ منه لما بلغني مِن أذاه في أهل بيتي؟ فثبت أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تأذَّى بذلك تأذيًا استعذَر منه.

قال الإمام القرطبيُّ عند تفسيره لقوله تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا} [النور: 17] ؛ يعني: في عائشة؛ لما في ذلك من أذيَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في عِرضه وأهله، وذلك كفرٌ مِن فاعله.

(3) كما أن الطعن في عائشة يَستلزِم الطَّعنَ في الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد قال: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} [النور: 26] ، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:"أي: ما كان الله لِيَجعل عائشةَ زوجةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيبُ مِن كل طيِّبٍ من البشر، ولو كانت خبيثةً لما صلحَت له شرعًا ولا قدَرًا" [1] .

ثم ليُعلَم ختامًا أن أحبَّ الناس إليه صلى الله عليه وسلم عائشة، الصديقة بنت الصديق؛ كما صحَّ عن عمرو بن العاص قال: بعثَني رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيتُه، قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: (( عائشة ) )، قال: قلت: فمِن الرجال؟ قال: (( أبوها إذًا ) )، قال: قلت: ثم مَن؟ قال: (( عمر ) )، قال: فعدَّ رجالًا.

فمَن أبغض حبيبةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حريٌّ أن يكون بغيضَه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، والله أعلم.

(4) وعد الله بقَبول توبة من قذَف عامَّة المسلمين في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 4، 5] .

بينَما ذكَر الله عز وجل أنه لم يقبَل توبةَ من رمى أمَّهات المؤمنين؛ فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23] .

فقد ذكرَت هذه الآية بعد براءة عائشةِ رضي الله عنها.

(1) تفسير ابن كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت