يوطِّئ له بيان ما يريد ابتداءً" [1] ."
ومن فصاحتها أنها بيَّنَت أن العادة كانت مستصحبة في كل سفرهم من أن هناك من هو مسؤولٌ عن حمل الهودج وإنزاله، حتى فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من غزوته، ثم ذكرَت الرجوع، (وقفل) ثم ذكرَت دنوَّهم من المدينة:"ودنَونا من المدينة"، ثم وقع الذي وقع.
وأقول: لو كانت هناك ريبةٌ لظهَرَت بعضُ أماراتها طول هذه المدَّة، وهذه المسافة في الذهاب والرجوع.
ومن فصاحتها: أنها بيَّنَت العذر الذي جعَل مَن يحملُ الهودج يظنُّ أنَّها فيه؛ لأنها قالت:"وكان النساء إذْ ذاك خفافًا لم يَثقلن، ولم يغشَهن اللحم، وإنما يأكلن العُلقةَ من الطعام ... إلخ".
ومن فصاحتها: أنَّها لما ذكرت خفَّتَها، برَّأت نفسها مما قد تُشان به المرأة؛ لأنَّ الهُزال في المرأة قد يكون عيبًا، فأزالت ما قد ينسب إليها من ذلك أنَّها لم تكن وحدها، فهو عام في جميع النساء، فقالت:"وكانت النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقُلن، ولم يغشَهن اللحم"، ثم أبدَت عذرها وعُذر النِّساء بذلك أنَّه بسبب قلَّة الأكل، وأن ما كنَّ عليه ليس بخِلقة خلقن عليها.
ومن فصاحتها: أن ذكرَت أنها كانت صغيرة السن لتبين عذرها فيما فعلَت؛ لكونها اشتغلَت بطلَب العِقد، وتركَتِ القوم حتى رحَلوا، فذكرَت صِغرَ سنِّها؛ لتبين أنها لم تقع لها تجربةٌ بالأمور.
(8) منزلة عائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم وشهادته لها:
لقد كانت لعائشةَ منزلةٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استَشهدَت أمُّ رومان بذلك عند تسليتها، فقد وصفَتها بجمالها ووَضاءتها، وفي رواية مسلم:"حظيَّة"من الحَظوة؛ أي: رفيعة المنزلة.
وأما شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لها؛ ففي ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (( من يَعذِرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي؟! فوالله ما أعلم على أهل بيتي إلا خيرًا ) ).
(9) كمال تفكيرها في تصرفها:
فإنها لما وَجدَت الجيش قد انصرف قالت:"فأمَمتُ منزلي الذي كنت فيه"؛ أي: قصَدَت موضعَ هودجِها وأقامت فيه، مع أنها كانت صغيرة السن؛ لأنها لو لم تقعد بموضعها ذلك، وسارت في طلَب القوم لاحتمل أن تُصيب طريقهم أو تحيد عنه، فإن حادَت تهلِك وتُتلف
(1) بهجة النفوس (3/ 43) .