فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 173

في الوسيلة التي هي أقربُ منازل الجنةِ إلى العرش.

ثامنًا: أهل البدع والزَّندقةِ يعمدون إلى نصوص القرآن التي فيها ذِكر ذنوب ومعاصٍ صدرَت من بعض الصحابة وأقلعوا عنها وتابوا منها، فيتأوَّلون النصوص بأنواع التأويلات لا يؤيِّدها برهان، وأما أهل السنة فيقولون: بل أصحاب الذنوب تابوا منها ورفع الله درجاتِهم بالتوبة.

بتقدير أن يكون هناك ذنبٌ لعائشة وحفصة، فتَكونا قد تابتا منه، وهذا ظاهرٌ لقوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] فدَعاهما الله تعالى إلى التوبة، فلا يُظنُّ بهما أنهما لم تتوبا، مع ما ثبتَ من علوِّ درجتهما، وأنهما زوجَتا نبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة.

تاسعًا: أنَّهن اختَرن الله ورسولَه والدار الآخرة؛ إيثارًا منهن لذلك على الدنيا وزينتِها، فأعدَّ الله لهن على ذلك ثوابًا جزيلًا وأجرًا عظيمًا؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28 - 29] .

ففي البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: لما أُمر رسول الله بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: (( إني ذاكرٌ لكِ أمرًا، ولا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك ) )، قالت: قد أعلمُ أن أبويَّ لم يكونا يأمراني بفراقِكَ، ثم قال: (( إن الله قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28 - 29] ) )، قلتُ: أفي هذا أستأمرُ أبويَّ؟! فإني أريد الله ورسولَه والدارَ الآخرة! ثم خير نساءه، فقُلن مثل ما قالت عائشة [1] .

فإنَّ الله خيَّرهن بين الحياة الدنيا وزينتها وبينَ الله ورسوله والدارِ الآخرة، فاختَرن الله ورسوله والدار الآخرة.

لذلك مات عنهنَّ النبي وهن أمَّهات المؤمِنين بنصِّ القرآن، والذنب يُغفر ويُعفى عنه بالتَّوبة وبالحسَنات الماحيات وبالمصائب المكفِّرة.

عاشرًا: نقول أخيرًا: إنَّ أهل السنة والجماعة لا يَعتقدون أن الصحابيَّ معصومٌ من كبائر الإثم وصَغائره، بل تجوز عليهم الذنوبُ في الجملة، ولكن لهم من السَّوابق والفضائل ما يوجب مغفرةَ ما يَصدُر منهم إن صدَر، ثم إذا كان صدر من أحدهم ذنب فيكون إما قد تاب منه، أو أَتى

(1) البخاري: (2336) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت